أحسن الحديث

أحسن الحديث

14/05/2015

التَّمحيص والمَحْق


﴿..وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ..﴾

التَّمحيص والمَحْق

____ العلّامة الطّباطبائي قدّس سرّه ____

 

من روائع تفسير القرآن الكريم التّفسير السُّنَني – إن صحّ التعبير - وهو اكتشاف القوانين الحاكمة على الكون والحياة بما فيها الإنسان وشؤونه كافّة، الاختياريّة منها وغير الاختياريّة، من خلال التّدبّر في آيات الكتاب العزيز.

وقد أفرد العلّامة الطباطبائي في الجزء الرابع من تفسيره (الميزان) بحثاً عن سنّة الابتلاء والامتحان الإلهيَّين للإنسان من خلال ما يقدّره له من الحوادث التي تصادفه خلال مدّة حياته، وذلك استطراداً على تفسيره الآيات من 140 الى 142 من سورة آل عمران، التي يخاطب فيها الله تعالى المؤمنين إثر وقعة أُحُد وما أصابهم فيها، فيقول لهم: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ..﴾ إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿..وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. ونحن ننقله مختصراً ببعض التّصرّف.

 

إنّ النوع الإنسانيّ له نوع وجود لا يتمّ أمره إلّا بسلسلة من الأفعال الاختياريّة الإراديّة التي لا تقع إلّا عن اعتقادات نظريّة وعمليّة، فلا بدّ أن يعيش تحت قوانين حقّة أو باطلة، جيّدة أو رديّة، فلا بدّ لسائق التكوين أن يهيّئ له سلسلة من الأوامر والنواهي الشرعيّة، وسلسلة أخرى من الحوادث الاجتماعيّة والفرديّة، حتّى يُخرج بتلاقيه معهما ما في قوّته إلى الفعل، فيسعد أو يشقى ويَظهر ما في مكمن وجوده، وعند ذلك ينطبق على هذه الحوادث وهذا التّشريع اسم المحنة والبلاء ونحوهما.

توضيح ذلك، أنّ من لم يتّبع الدّعوة الإلهيّة واستوجب لنفسه الشقاء، فقد حقّت عليه كلمة العذاب إن بقي على تلك الحال، فكلّ ما يستقبله من الحوادث المتعلّقة بها الأوامر والنواهي الإلهيّة ويخرج بها من القوّة إلى الفعل تتمّ له بذلك فعليّة جديدة من الشقاء، وإن كان راضياً بما عنده مغروراً بما يجده فليس ذلك إلّا مكراً إلهيّاً، فإنّه يشقيهم بعين ما يحسبونه سعادة لأنفسهم، ويخيّب سعيَهم في ما يظنّونه فوزاً لأنفسهم، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران:54، وقال: ﴿..وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ..﴾ فاطر:43، فما يتبجّح به المغرور الجاهل بأمر الله أنّه سبق ربّه في ما أراده منه بالمخالفة والتمرّد، فإنّه يُعينه على نفسه في ما أراده، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ العنكبوت:4.

ومن أعجب الآيات في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿..فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا..﴾ الرعد:42. فجميع هذه المماكرات والمخالفات والمظالم والتعدّيات التي تظهر من هؤلاء - بالنسبة إلى الوظائف الدينيّة، وكلّ ما يستقبلهم من حوادث الأيام، ويظهر بها منهم ما أضمروه في قلوبهم ودعتهم إلى ذلك أهواؤهم - مكرٌ إلهيّ وإملاء واستدراج، فإنّ من حقّهم على الله أن يهديهم إلى عاقبة أمرهم وخاتمته، وقد فعل، والله غالب على أمره.

وهذه الأمور بعينها إذا نُسبت إلى الشيطان كانت أقسامُ الكفر والمعاصي إغواءً منه لهم، والنزوعُ إليها دعوةً ووسوسة ونزغة ووحياً وإضلالاً، والحوادثُ الداعية وما يجري مجراها زينةً له ووسائل وحبائل وشبكات منه..

وأمّا المؤمن الذي رسخ في قلبه الإيمان، فما يظهر منه من الطاعات والعبادات، وكذا الحوادث التي تستقبله فيظهر منه عندها ذلك، ينطبق عليها مفهوم التوفيق والولاية الإلهيّة والهداية بالمعنى الأخصّ نوعَ انطباق، قال تعالى: ﴿..وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ..﴾ آل عمران:13، وقال: ﴿..وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران:68، وقال: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ..﴾ البقرة:257، وقال: ﴿..يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ..﴾ يونس:9. هذا إذا نُسبت هذه الأمور إلى الله سبحانه، وأمّا إذا نُسبت إلى الملائكة فتسمّى تأييداً وتسديداً منهم، قال تعالى: ﴿..أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ..﴾ المجادلة:22.

ثمّ إنّه كما أنّ الهداية العامّة تصاحب الأشياء من بَدء كونها إلى آخر أحيان وجودها ما دامت سالكة سبيل الرجوع إلى الله سبحانه، كذلك المقادير تدفعها من ورائها، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ الأعلى:3، فإنّ المقادير التي تحملها العلل والأسباب المحتفّة بوجود الشيء، هي التي تحوّل الشيء من حالٍ أولى إلى حالٍ ثانية وهلّم جرّا، فهي لا تزال تدفع الأشياء من ورائها.

قِوى الدّفع والجذب والحِفظ

وكما أنّ المقادير تدفعها من ورائها كذلك الآجال، وهي آخر ما ينتهي إليه وجود الأشياء تجذبها من أمامها، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ الأحقاف:3، فإنّ الآية تربط الأشياء بغاياتها وهي الآجال، والشّيئان المرتبطان إذا قوي أحدهما على الآخر كان حاله بالنسبة إلى قرينه هو المسمّى جذباً، و«الآجال المسمّاة» أمور ثابتة غير متغيّرة، فهي تجذب الأشياء من أمامها.

فالأشياء محاطة بقوى إلهيّة: قوّة تدفعها، وقوّة تجذبها، وقوّة تصاحبها وتربّيها، وهي القوى الأصليّة التي يثبتها القرآن الكريم غير القوى: الحافظة، والرقباء، والقرناء، كالملائكة والشياطين وغير ذلك. ثمّ إنّا نسمّي نوع التصرفات في الشيء إذا قُصد به مقصدٌ لا يظهر حاله بالنسبة إليه هل له صلوحه أو ليس له، بـ«الامتحان والاختبار»، فإنّك إذا جهلت حال الشيء أنّه هل يصلح لأمر كذا أو لا يصلح، أو علمت باطن أمره ولكن أردت أن يظهر منه ذلك، أوردت عليه أشياء ممّا يلائم المقصد المذكور حتى يظهر حاله بذلك هل يقبلها لنفسه أو يدفعها عن نفسه، وتسمّي ذلك امتحاناً واختباراً واستعلاماً لحاله أو ما يقاربها من الألفاظ.

وهذا المعنى بعينه ينطبق على التّصرّف الإلهيّ بما يورده من الشّرائع والحوادث الجارية على أولي الشعور والعقل من الأشياء كالإنسان، فإنّ هذه الأمور يظهر بها حال الإنسان بالنسبة إلى المقصد الذي يُدعى إليه الإنسان بالدعوة الدينية، فهي امتحانات إلهيّة. وإنّما الفرق بين الامتحان الإلهيّ وما عندنا من الامتحان أنّا لا نخلو غالباً عن الجهل بما في باطن الأشياء، فنريد بالامتحان استعلامَ حالها المجهول لنا، والله سبحانه يمتنع عليه الجهل وعنده مفاتح الغيب.

الابتلاء سُنّة إلهيّة جارية

فالتربية العامّة الإلهيّة للإنسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة والسعادة امتحانٌ، لأنّه يظهر ويتعيّن بها حالُ الشّيء أنّه من أهل أيّ الدارين: دار الثواب أو دار العقاب؟ ولذلك سمّى الله تعالى هذا التصرّف الإلهي من نفسه - أعني التّشريع وتوجيه الحوادث – بلاءً، وابتلاءً، وفتنة، فقال بوجه عامّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الكهف:7، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الدهر:2، وقال: ﴿..وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً..﴾ الأنبياء:35، وكأنّه يريد به ما يفصّله قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ الفجر:15-16، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ..﴾ التغابن:15، وقال: ﴿..وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ..﴾ محمد:4، وقال: ﴿..كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الأعراف:163، وقال: ﴿..وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا..﴾ الأنفال:17، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ العنكبوت2-3، وقال في مثل إبراهيم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ..﴾ البقرة:124، وقال في قصّة ذبح إسماعيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ الصافات:106، وقال في موسى: ﴿..وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا..﴾ طه:40، إلى غير ذلك من الآيات.

والآيات كما ترى تعمّم المحنة والبلاء لجميع ما يرتبط به الإنسان من وجوده وأجزاء وجوده، كالسمع والبصر والحياة، والخارج من وجوده المرتبط به بنحوٍ كالأولاد، والأزواج، والعشيرة، والأصدقاء، والمال، والجاه، وجميع ما ينتفع به نوع انتفاع، وكذا مقابِلات هذه الأمور كالموت وسائر المصائب المتوجّهة إليه.

 وبالجملة، الآيات تعُدّ كلّ ما يرتبط به الإنسان من أجزاء العالم وأحوالها فتنةً وبلاءً من الله سبحانه بالنسبة إليه. وفيها تعميم آخر من حيث الأفراد، فالكلّ مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر، وصالح أو طالح، ونبيّ أو من دونه، فهي سنّة جارية لا يُستثنى منها أحد.

فقد بان أنّ سنّة الامتحان سنّةٌ إلهيّة جارية، وهي سنّة عمليّة متكّئة على سنّة أخرى تكوينيّة، وهي سنّة الهداية الإلهيّة العامّة من حيث تعلّقها بالمكلّفين كالإنسان وما يتقدّمها وما يتأخّر عنها، أعني القدر والأجل كما مرّ بيانه.

ومن هنا يظهر أنّها [أي السّنّة] غيرُ قابلة للنّسخ، فإنّ انتساخها عينُ فساد التكوين وهو محال، ويشير إلى ذلك ما يدلّ من الآيات على كون الخلقة على الحقّ، وما يدلّ على كون البعث حقّاً، كقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى..﴾ الأحقاف:3، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون:115، إلى غيرها، فإنّ جميعها يدلّ على أنّ الخلقة بالحقّ، وليست باطلة مقطوعة عن الغاية، وإذا كانت أمامَ الأشياء غاياتٌ وآجال حقّة، ومن ورائها مقادير حقّة، ومعها هداية حقّة، فلا مناص عن تصادمها عامّة وابتلاء أرباب التكليف منها خاصّة، بأمورٍ يخرج بالاتّصال بها ما في قوّتها من الكمال والنقص والسعادة والشقاء إلى الفعل، وهذا المعنى في الإنسان المكلّف بتكليف الدّين امتحان وابتلاء.

ويظهر ممّا ذكرناه معنى «المَحق» و«التمحيص» أيضاً، فإنّ الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل، أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، صدق عليه اسم التمحيص، وهو التمييز. وكذا إذا توالت الامتحانات الإلهيّة على الكافر والمنافق وفي ظاهرهما صفات وأحوال حسنة مغبوطة، فأوجبت تدريجاً ظهورَ ما في باطنهما من الخبائث - وكلّما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهريّة - كان ذلك مَحقاً له، أي إنفاداً تدريجيّاً لمحاسنها، قال تعالى: ﴿..وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ آل عمران:140-141.

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

14/05/2015

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات