تأمُّلات في الدُّعاء على الظّالمين

تأمُّلات في الدُّعاء على الظّالمين

26/11/2011

تأمُّلات في الدُّعاء على الظّالمين


 
«اللّعن» من مظاهر الرّحمة
تأمُّلات في الدُّعاء على الظّالمين
------ إعداد «شعائر»------

«جميع‌ اللَّعنات‌ التي‌ تَرِد علی‌ لسان‌ الله‌ تعالى أو علی‌ لسان‌ النّبي‌ّ والأئمّة‌ الطّاهرين‌ صلوات‌ الله‌ وسلامه‌ عليهم‌ أجمعين‌ هي‌ كلّها خَيْرٌ مَحْض».
تأمّلات في دلالات عبارات «اللّعن» الواردة في الأدعية والزّيارات، كما نقلها العلّامة الطهراني في كتابه (الرُّوح المُجرّد) نقلاً عن السيّد هاشم الحدّاد رضوان الله عليهما.

في‌ يوم‌ تاسوعاء جرى قراءة‌ زيارة‌ عاشوراء في‌ منزل «السيِّد الحدَّاد» [السيد هاشم الحدّاد من أبرز تلامذة المرحوم السيد القاضي وكان مقيماً في كربلاء]، ثمّ اللّعن‌ مائة‌ مرّة‌ والسَّلام‌ مائة‌ مرّة‌، ثمَّ قُرِئ‌ دعاء علقمة‌ بعد صلاة‌ الزِّيارة‌؛ فسأل‌ أحد الحاضرين‌ السيّد الحداد في‌ نهاية‌ الدُّعاء: كيف‌ تنسجم‌ هذه‌ اللَّعنات‌ الشَّديدة‌ الأكيدة‌ بهذه‌ المضامين‌ المختلفة‌ مع‌ روح‌ الإمام‌ الصَّادق‌ عليه‌ السلام‌ التي‌ كانت‌ مركزاً ومنبعاً للرَّحمة‌ والمحبَّة‌؟! ففي‌ هذا الدُّعاء الذي‌ يبدأ بـ «يا اللهُ يا اللهُ يا اللهُ يا مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ»، يصل‌ إلی القول‌:

أللَهُمَّ مَنْ أَرَادَنِي‌ بِسُوءٍ فَأَرِدْهُ! وَمَنْ كَادَنِي‌ فَكِدْهُ! وَاصْرِفْ عَنِّي‌ كَيْدَهُ وَمَكْرَهُ وَبَأْسَهُ وَأَمَانِيَّهُ! وَ
امْنَعْهُ عَنِّي‌ كَيْفَ شِئْتَ وَأَنَّي‌ شِئْتَ! أللَهُمَّ اشْغَلْهُ عَنِّي‌ بِفَقْرٍ لاَ تَجْبُرُهُ، وَبِبَلاَءٍ لاَ تَسْتُرُهُ، وَبِفَاقَةٍ لاَ تَسُدُّهَا، وَبِسُقْمٍ لاَ تُعَافِيهِ، وَذُلٍّ لاَ تُعِزُّهُ، وَبِمَسْكَنَةٍ لاَ تَجْبُرُهَا! أللَهُمَّ اضْرِبْ بِالذُّلِّ نَصْبَ عَيْنَيْهِ، وَأَدْخِلْ عَلَيهِ الفَقْرَ فِي‌ مَنْزِلِهِ، وَالعِلَّةَ وَالسُّقْمَ فِي‌ بَدَنِهِ؛ حتّى‌ تَشْغَلَهُ عَنِّي‌ بِشُغْلٍ شَاغِلٍ لاَ فَرَاغَ لَهُ، وَأَنْسِهِ ذِكْرِي‌ كَمَا أَنْسَيْتَهُ ذِكْرَكَ، وَخُذْ عَنِّي‌ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، وَأَدْخِلْ عَلَيهِ فِي‌ جَمِيعِ ذَلِكَ السُّقْمَ، وَلاَ تَشْفِهِ حتّى‌ تَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ شُغْلاً شَاغِلاً بِهِ عَنِّي‌ وَعَنْ ذِكْرِي‌. وَاكْفِنِي‌ مَا لاَ يَكْفِي‌ سِوَاكَ؛ فَإنَّكَ الكَافِي‌ لاَ كَافِي‌َ سِوَاكَ، وَمُفَرِّجٌ لاَ مُفَرِّجَ سِوَاكَ، وَمُغِيثٌ لاَ مُغِيثَ سِوَاكَ، وَجَارٌ لاَ جَارَ سِوَاكَ.

فكان‌ جواب‌ السيّد الحدّاد علی‌ ذلك‌: أنّ هذا الدُّعاء كلّه‌ طلب‌ للخير والرَّحمة‌، بالرّغم‌ من‌ ظهوره‌ بعبارات‌ وكلمات‌ اللَّعن‌.
وبشكل‌ٍ عامّ، فإنّ جميع‌ اللَّعنات‌ التي‌ تَرِد علی‌ لسان‌ الله‌ تعالى أو علی‌ لسان‌ النّبي‌ّ والأئمّة‌ الطّاهرين‌ صلوات‌ الله‌ وسلامه‌ عليهم‌ أجمعين‌ هي‌ كلّها خَيْرٌ مَحْض‌؛ فلا يَنضح‌ عن‌ الله‌ وأوليائه‌ غير الخَيْر.
وتَنصبُّ جميع‌ هذه‌ اللَّعنات‌ علی‌ الشَّخص‌ المُعتدي‌، لا المؤمن‌ المتَّقي‌ المشغول‌ بعمله‌؛ فمهما أُعطي‌ ذلك‌ المُعتدي‌ الظَّالم‌ عمراً وصحّة‌ وقدرة‌، صَرَفَها جميعاً في‌ إضراره‌ بالآخرين‌ واعتدائه‌ علی‌ حُرمة‌ المظلومين‌.
ومِن‌ ثمَّ فإنَّ في‌ تحديد سلامته‌ وقدرته‌ وحياته‌ دفعاً للضَّرر، ودفع‌ُ الضَّرر ليس‌ في‌ الحقيقة‌ إلَّا نفعاً.
قد يُخيَّل‌ إلينا بهذه‌ النَّظرة‌ الطَّبيعيّة‌ والحسِّيّة‌ أنّ الخير هو علی‌ الدَّوام‌ في‌ السَّلامة‌ والقدرة‌ والحياة‌، من‌ دون‌ ملاحظة‌ لِواقعيّة‌ الحياة‌ في‌ النِّيّة‌ الحسنة‌ أو السَّيّئة،‌ وفي‌ الإرادة‌ الحسنة‌ أو السَّيّئة‌، وفي‌ الإعتقاد الحسن‌ أو السَّيّئ‌. لكن‌َّ الأمر ليس‌ كذلك‌، إذ ينبغي‌ أيضاً ملاحظة‌ المعنى؛ فالحياة‌ خير للإنسان‌ حين‌ تكون‌ مَنشأ خير لنفسه وللآخرين‌، أمّا لو صارت‌ منشأً للشَّرّ، فإنّ إطالة‌ عمره‌ وزيادة‌ سلامته‌ وصحّته‌ وزيادة‌ قدرته‌ ستؤدّي‌ إلی ظلمه‌ لنفسه‌ وتَعَدِّيه‌ وتجاوزه‌ علی‌ حُرمة‌ البشريّة‌، ولا خير في‌ تلك‌ الحياة‌ هنا، ولا يَصدُق‌ عليها عنوان‌ الخير.
وفي‌ هذه‌ الحال‌ وفي هذا الفرض‌، فإنَّ ضدّه‌ سيكون‌ خيراً. أي‌ أنّ الموت‌ والمرض‌ والمَسْكَنة‌ لهذا الرَّجل‌ خير، ولو لم‌ يَكن‌ هو أو الآخرون‌ يعلمون‌ بذلك‌. فحين‌ يَستأصِل‌ مبْضَع‌ الجرّاح‌ عضواً فاسداً، فإنّه‌ يقوم‌ بعمل‌ خير ولو استلزم‌ المرض،‌ والتَّخدير، وإراقة‌ دم‌ المريض،‌ وتناول‌ الأدوية‌ المرّة‌؛ وعلى الرّغم‌ من‌ أنّ ذلك‌ العضو الفاسد يعتبر نفسه‌ صالحاً، إلَّا أنّ الحقيقة‌ ليست‌ كذلك.‌
وليست‌ الرَّحمة‌ مقرونة‌ دائماً بالسّمنة‌ وتناول‌ الأغذية‌ الدَّسمة‌ والحلويّات‌، بل‌ هي‌ أحياناً في‌ الهزال‌ وتحمُّل‌ الجوع‌ والقنوع‌ بتناول‌ الأطعمة‌ البسيطة‌.
من‌ شأن‌ الطّفل‌ أن‌ يطلب‌ من‌ أبيه‌ الحلويّات‌، لكنَّ أباه‌ العطوف‌ لا يُعطيه‌ ذلك‌ دوماً بل‌ يعطيه‌ منها أحياناً وبِقَدَر معيّن‌، فذلك‌ خيرٌ للطّفل‌ ورحمة‌. كما أنَّه‌ يُعطيه‌ أحياناً المسهّل‌ والمرّ، ويعالجه أحياناً أُخرى  بحقن‌ الدَّواء، ويُرقده‌ علی‌ سرير المستشفى لإجراء عمليّة‌ جراحيّة‌، ويَمنعه‌ من‌ اللَّعب‌؛ فلا يرضى الطّفل‌ بهذا الأُسلوب‌، لأنَّه‌ يرغب‌ دوماً في‌ الرَّكض‌ واللَّعب‌ وتناول‌ الحلوى، لذا فإنّه‌ يَنتقِد أباه‌ لِحصره‌ ولِمنعه‌ له،‌ ولربّما خَطَر في‌ باله‌ أنّ أباه‌ عدوّ له‌ وشخص‌ يَتَعمّد إيذاءه‌!
لكنّ حقيقة‌ الأمر وواقعه‌ غير ذلك‌. فلقد كانت‌ جميع‌ تصرّفات‌ الأب‌ خيراً للطّفل‌ ورحمة،‌ لأنَّها توجب‌ حياته‌ ولو جهل‌ الطّفل‌ ذلك‌ ولم‌ يَرضه‌. لذا نرى الأب‌ ينزعج‌ كثيراً ممّا يَنتاب‌ طفله‌ من‌ سوء، فيَستعصي‌ عليه‌ النَّوم‌ ويقف‌ في‌ المستشفى ساهراً عند سرير طفله‌، وهو ما يمثِّل‌ عين‌ الرَّحمة‌.
قد تتجلّى الرَّحمة‌ أحياناً في‌ مجال‌ الإعطاء وتقديم‌ الحلوى، وأحياناً في‌ المنع‌ وإعطاء المُغذّي‌ في‌ الوريد، وكلاهما رحمة‌ بمظهرَينِ وكيفيَّتَين.
ولقد جاء الأنبياء والأئمّة‌ من‌ أجل‌ الحياة‌ الحقيقيّة‌ والسعادة‌ الخالدة‌ للبشر، وتركَّزَت‌ رسالاتهم‌ وانصبَّت‌ في‌ هذا المجال‌. لذا فأينما تَعارَضَت‌ الحياة‌ الواقعيّة‌ الحقيقيّة‌ مع‌ الحياة‌ الطَّبيعيّة‌، والصّحّة‌ الحقيقيّة‌ مع‌ الصّحّة‌ المجازيّة‌، والقدرة‌ الأصيلة‌ مع‌ القدرة‌ الإعتباريّة‌، غَضُّوا عن‌ الثّانية‌ لِحفظ‌ الأولى. فهم‌ يُصدرون‌ الأمر بالجهاد فيقتلون‌ المشركين‌ والكُفّار، ويؤدِّبون‌ المنافقين‌، ويعاقبون‌ المجرمين‌، وهي‌ جميعاً خيرٌ بهدف إيصال‌ الشَّخص‌ المعتدي‌ والظَّالم‌ للهدف‌ الإنساني‌ الرَّفيع‌.
كذلك فإنّ عرْك‌ الأُذن‌ للتَّأديب‌، والإصابة‌ بالإقعاد، والفقر والفاقة‌، والمرض‌ وانحراف‌ الصحّة‌ هي‌ خير جميعاً، لأنّها تُنبِّه‌ الإنسان‌ وتُعيده‌ لنفسه‌، وتُقلِّل‌ من‌ التَّمادي‌ والغرور للنَّفس‌ الأمّارة‌ وتَمنح‌ الإنسانَ‌ أصالة‌، فهي‌ -إذاً- خيرٌ ورحمة‌.


 
زيارة عاشوراء من الحديثِ القُدسيّ


ممّا قاله آية الله المقدَّس الشّيخ بهجت قدّس سرّه حول زيارة عاشوراء:
إنّ فقرات نصّ زيارة عاشوراء، هي الدّالّة على عظمة هذه الزّيارة، ولا سّيما إذا لُوحظ ما وَرد في سند هذه الزِّيارة عن الإمام الصادق عليه السلام لصفوان حيث قال له: «..تعاهدْ هذه الزِّيارة وادعُ بهذا الدُّعاء وَزُر به، فإنِّي ضامن على الله تعالى لكلِّ مَن زار بهذه الزِّيارة ودعا بهذا الدُّعاء مِن قُرب أو بُعد إنَّ زيارته مقبولة، وسعيَه مشكور، وسلامَه واصل غير محجوب، وحاجته مقضيّة من الله بالغاً ما بلغت ولا يخيِّبه. يا صفوان! وجدتُ هذه الزيارة مضمونة بهذا الضَّمان عن أبي وأبي عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم السلام، مضموناً بهذا الضّمان، والحسين عن أخيه الحسن مضموناً بهذا الضّمان، والحسن عن أبيه أمير المؤمنين مضموناً بهذا الضّمان، وأمير المؤمنين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله مضموناً بهذا الضّمان، ورسول الله صلّى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام مضموناً بهذا الضّمان، وجبرئيل عن الله عزَّ وجلَّ مضموناً بهذا الضَّمان ".."».

ويُستفاد من سند زيارة عاشوراء، بأنَّها من الأحاديث القدسيّة، وهذا ما حدا بعلمائنا الكبار وأساتذتنا، على التقيُّد بقراءتها على الرّغم من انشغالاتهم العلميّة وكثرة المراجعات إليهم، بحيث أنَّ أستاذنا المرحوم الحاج الشّيخ محمّد حسين الأصفهاني، طلب من الله تعالى أن لا يقبض روحه إلَّا وهو في حال قراءة زيارة عاشوراء، فاستجاب الله دعاءه، وقبض روحه بعد أن انتهى من قراءة هذه الزّيارة.

وكان الشّيخ «صدرا بادكوبه اى» مع تبحُّره في العلوم العقليّة والنّقليّة، مقيَّداً بقراءة زيارة عاشوراء، ولم يتركها قطّ في مختلف الظّروف، ولا يصدِّق أحد كم كان مواظباً عليها وعلى العبادة.


 

اخبار مرتبطة

  أنا قتيلُ هذا الغربِ المُتوحِّش

أنا قتيلُ هذا الغربِ المُتوحِّش

  القلب والحظوظ الدنيويّة

القلب والحظوظ الدنيويّة

  دورياات

دورياات

26/11/2011

دورياات

نفحات