مصطلحات

مصطلحات

04/07/2016

العَوْد.. والمعاد


العَوْد.. والمعاد

ـــــــ المحقّق الشيخ حسن المصطفوي ـــــــ

كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) للعلّامة الراحل الشيخ حسن مصطفوي، كتابٌ نوعيّ في بابه، ومنه اختارت «شعائر» هذه المادّة لارتباطها بـ «المَعاد»، والتفريق بينه وبين الرجوع، لتصحيح خطأ يراه المؤلّف شائعاً في الحديث عن معنى «المَعاد».

بعد أن استعرض المؤلّف الشيخ المصطفوي ما ورد في المصادر اللغويّة حول «العَوْد»، قال:  إنّ الأصل الواحد في المادّة: هو رجوعٌ إلى عملٍ في المرتبة الثانية، بمعنى أنّه إقدام ثانويّ بعد المرتبة الأولى.... وبهذا يظهر حقيقة إطلاق المادّة على «العُود»، و«العادة»، و«العائدة»، و«العِيد»، و«العيادة»، وأمثالها.

فإنّ «العُودَ» خشبٌ لطيف تجدّد نباته ونموّه. و«العادة» حالة تُوجب إعادة ما عُمل في الدفعات اللاحقة. و«العائدة» منافع قد تكرّرت. و«العيد» أيّام سرور وبهجة مخصوصة تكرّرت. و«العيادة» باعتبار تكرّرها.

فالفرق بيّنٌ بين المادّة وبين «الرجوع»: فإنّ الرجوعَ عَوْدٌ إلى ما كان فيه أو عليه من قبل. ويدلّ على الأصل صريحُ هذه الآيات الكريمة:

- ﴿..وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 38]

- ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً..﴾ [النّور: 17].

- ﴿..وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ..﴾ [الأنعام: 28]

فليس المراد مفهوم الرجوع، وإلَّا لاستُعملت بحرف «إلى»، مضافاً إلى أنّ الرجوع إلى منهيّ لا يدلّ على العمل به - كما في قوله تعالى:

- ﴿..وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ..﴾. [التوبة: 122]

- ﴿..فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا..﴾ [الأنبياء: 64].

فالرجوع إلى شيء: لا يدلّ بأزيد من الحركة إلى ما كان فيه أو عليه، وهذا بخلاف العَود، فإنّه يدلّ على إقدامٍ ثانويّ.

- ﴿..كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ..﴾ [الأنبياء: 104]

- ﴿..فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ..﴾ [الإسراء: 51]

- ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾  [الروم: 11]

- ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ..﴾ [يونس: 34]

بدأ الخَلقُ في عالم المادّة بمقتضى هذا العالم، ثمّ بعد فناء عالم المادّة يظهر خلقٌ جديدٌ، وعالمٌ لطيفٌ، وبدنٌ متناسب برزخيّ، ويعود ثانياً على صورة الخلق المبتدَأ ويدوم على تلك الصورة إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

والتعبير بالعَود: إشارة إلى أنّ الخلق الثانويّ عينُ الأوّل ذاتاً وروحاً، وهو غيره ظاهراً وفي الخصوصيّات القالبيّة البدنيّة.

وهذه الإعادة جارية في عالم النبات أيضاً، حيث ييبس شجر ويفنى بدنه ثمّ ينمو وينبت من حبّته شجر آخر متماثلاً بالأوّل. وقريباً من هذا الجريان والتبادل والإعادة، يجري في عالم الحيوان أيضاً.

وأمّا الإنسان: فالأصل فيه هو الروح، وهو بعينه باقٍ في الخلق الثانويّ والتبدّل إنّما يتحقّق في اللباس والقالب البدنيّ.

نعم إنّ بدن الإنسان كاللباس الحافظ الساتر، وهو في (تغيّر) دائماً، ولا تزال تتغيّر أجزاؤه وتضعف إلى أن يموت ويفنى.

ولمّا كان الروح باقياً ثابتاً وهو من وراء عالم المادّة، فيبقى قهراً ما يرسخ فيه من آثار الأعمال والأفكار، ومن خواصّ الصفات النفسانيّة.

كما أنّ تلك الخصوصيّات والآثار الذاتيّة في النباتات والحيوان تنتقل إلى أخلافها بواسطة الحبّة والنطفة، وهذا هو التوارث.

والفرق بين الإنسان وغيره: هو وجود الروح [المراد بالروح هنا أعمّ من الحياة] في الإنسان، وبتبعه يوجد العقل والتدبير، وبهذا يُثاب ويعاقب.

فالإنسان يرى آثار عمله وصفاته على سبيل القهر والطبع والاضطرار، كما في النبات والحيوان أيضاً. وعلى سبيل العقل والتدبير والاختيار، وهذا من امتيازاته ومُختصّاته:

- ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. [الزلزلة: 8].

- ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ..﴾. [الرّوم: 26-27]

- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾. [العنكبوت: 19]

- ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ..﴾ [يونس: 34]

هذه الآيات الكريمة عامّة بجميع المخلوقات، جماداً ونباتاً وحيواناً وإنساناً، فالخلق دائماً في لَبسٍ جديد، وفي إعادة لما كان من الإبداء، والإعادة أيسر عليه تعالى وأهون من الإبداء، لبقاء المادّة الأصيلة ومسبوقيّة الصورة.

فظهر أنّ الإعادة أعمّ من البعث والقيامة المصطلحة مفهوماً ومورداً.

- ﴿..وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. [الأعراف: 29]

- ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. [البروج: 12، 13]

- ﴿..فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ..﴾. [الإسراء: 51]

منازل خلق الإنسان

هذه الآيات الكريمة بقرينة ما قبلها وما بعدها: تدلّ على عود الإنسان في العالم البرزخيّ خارجاً عن الأرض، فيرى فيه نتيجة أعماله.

- ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾. [طه: 55].

- ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ [نوح: 17، 18].

وفيها إشارة إلى ثلاثة منازل في خَلق الإنسان:

1) خلقُه مقدّمةً: هو الخلق من الأرض بصورة النبات، فانّ الماء والتراب يتحوّل إلى صورة النباتات.

2) مبدأ خِلقته: وهو التحوّل من النباتات المأكولة إلى صورة المادّة الأوّليّة لخلق الإنسان، ويبتدئ من النطفة. وهذه المرحلة أيضاً تمتدّ على الأرض إلى أن تتحوّل إلى دورة أخرى وهي المرحلة الثالثة الخارجة عن وجه الأرض.

3) إعادته خارجاً عن الأرض: بموت البدن وفنائه، وتحوّل دورة الحياة الدنيويّة إلى حياة برزخيّة.

ويظهر من الآيتين الكريمتين: أنّ هذه ثلاثة مراحل من بدء تكوّن الإنسان إلى انتهاء حياته، والمرحلتان الأوليان تجريان في وجه الأرض ومن الأرض، والمرحلة الثالثة خارجة عن محيطها وفيما وراء عالم المادّة، إلى أن تنتهي إلى لقاء الله عزّ وجلّ: ﴿..ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: 11].

والمعاد: اسم مكان، بمعنى محلّ يُعاد فيه أمر. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص: 85]

وهو في اصطلاح المُتشرّعين: عبارة عن الحياة البرزخيّة والعالم الروحانيّ بعد انتهاء عالم المادّة، يُعاد فيها خلق الإنسان بعد موت البدن، بإعادة خلق البدن البرزخيّ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿..وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾. [طه: 55]

هذا ما يُستفاد من موارد استعمال موادّ هذه الكلمة في كتاب الله الحكيم. وقد كثُر الاشتباه والانحراف في تفسير هذه المادّة ومشتقّاتها، حيث فسّروها بمعنى الرجوع، ثمّ وقعوا في مزلَّة ومضلَّة.

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

04/07/2016

دوريات

نفحات