أحسن الحديث

أحسن الحديث

15/01/2018

فساد القلب مانعٌ من تدبُّر آياته

 

«الفِطرة» لغةُ القرآن العالمية

فساد القلب مانعٌ من تدبُّر آياته

ــــــــــــــــــــــــــــــ المرجع الديني الشيخ عبد الله جوادي الآملي ــــــــــــــــــــــــــــــ

«القرآن الكريم كتابُ هدىً لجميع الناس في جميع العصور، وحيث ما تواجدت البشرية فإنّ نور هدى القرآن يُشرق عليها ويضيء: ﴿..وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (المدّثر:31)، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:90). فلا يحدّه عصرٌ ولا مِصر، ولا يختصّ بقوميّة أو عِرق معيّن».

تتناول هذه المقالة السِّمة العالمية الخالدة للخطاب القرآني، نوردها مختصرة نقلاً عن مقدّمة الجزء الأول من (تسنيم في تفسير القرآن الكريم) للمرجع الديني الشيخ عبد الله جوادي آملي.

«شعائر»

 

لقد بيّن الله سبحانه نطاق رسالة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ..﴾ (سبأ:28)، وبناءً عليه فإنّ رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم عامّة ودائمة، وكتابه عالميّ وخالد، وقومه أيضاً هم جميع أفراد البشريّة وليس مجموعة من أهل الحجاز... ومجال الإنذار للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً بمقدار سعة «العالَمين» كما بيّنته الآيتان : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:1)، ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ (المدّثر:36).

والكتاب الذي أُنزل هدايةً للجميع، ونطاق ومساحة إرشاده وفعّاليته عالميّة وشاملة، يجب أن يمتاز بأمرين:

1) يجب أن يتكلّم بلغة عالميّة حتّى يستطيع الجميع أن يستوعبوا ما فيه من المعارف، ولا يحتجّ أحد بأنّ لغته مبهمة ومعقّدة وغير مفهومة، بحيث يرى غرابته وعدم انسجامه مع ثقافته عقبة ومانعاً يحول دون اتّباعه وسلوك صراطه المحقّق للسعادة.

2) يجب أن يكون محتواه مفيداً ونافعاً للجميع، بحيث لا يستغني عنه أحد. كالماء الّذي هو مصدر حياة لجميع الأحياء، فليس هناك من مخلوق حيّ في جميع العصور والأمصار إلّا وهو محتاجٌ إليه.

الثقافة الإنسانية الموحّدة

بالتدبُّر في لغة القرآن الكريم، نجد أنها لغة عالمية، فلا التمتّع بثقافة خاصة شرطٌ في فهم معارفه بحيث يصعبُ من دونها إدراكُ أسراره، ولا الحضارة المعيّنة مانعٌ من ذلك، بحيث إنّ الانتماء إليها يحرم أهلها من فهم لطائف كتاب الله العزيز.

واللغة الوحيدة التي تجعل عالم البشرية الواسع منسجماً ومترابطاً هي لغة «الفِطرة»؛ فهي الثقافة العامة والمشتركة بين جميع بني الإنسان في جميع العصور والأمصار، ويعرفها وينتفع بها كلّهم، ولا يتيسّر لأيّ فردٍ أن يفكّر بأنّه غريبٌ عنها، ولا تطال يدُ التاريخ طهارتها ونقاءها وبناءها الشامخ المنيع، لأنّ الله سبحانه خالقُ هذه الفطرة، وقد حفظَها وصانها من كلّ سوء: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..﴾ الروم:30.

وليس مقصودنا من لغة القرآن في هذا الفصل هو «اللّغة والأدب»، إذ من الواضح أنّ معارف القرآن قد تجلّت للناس بلغة العرب وأدبهم، وأنّ غير العرب لا يمكنهم فهم ألفاظ القرآن الكريم ما لم يتعلّموا اللغة والأدب العربيّين.

لكنّ مقصودنا من كون لغة القرآن عامّة لجميع الناس هو تحدُّث القرآن الكريم بالثقافة المشتركة لجميع بني البشر، فالناس وإن اختلفوا في لغاتهم وآدابهم، ولم يتّحدوا في أعرافهم وثقافاتهم القومية والإقليمية، ولكنّهم مشتركون في ثقافتهم الإنسانية التي هي ثقافة الفطرة الثابتة التي لا تبديل لها ولا تغيير، والقرآن الكريم يخاطب الناس بهذه الثقافة، فالمخاطَب فيه هو فطرة الناس، والغرض من إرسال القرآن هو تنمية فطرة الإنسان وتكميلها، ولذلك فإنّ لسان القرآن مفهومٌ لدى الجميع، وإدراكه ميسّرٌ لعامّة البشر. ولكن لا بدّ ههنا من الإشارة إلى نقاط أساسية تفصيلاً لهذا المجمل:

1) إنّ كون القرآن الكريم يتحدّث بلغة الفطرة، وكون فهمه عامّاً وشاملاً، لا يعني أنّ جميع الناس متساوون في نصيبهم من إدراك هذا الكتاب الإلهيّ، وفهمه. فمعارف القرآن ذات مراتب ودرجات كثيرة، ولكلّ فئةٍ من الناس نصيبها من تلك الدرجات: «كتابُ اللهِ عزّ وجلّ على أربعة أشياء: العبارة، والإشارة، واللّطائف، والحقائق. فالعبارة للعوامّ، والإشارة للخواصّ، واللّطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء»، كما رُوي عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام. وكلّ فردٍ ينال نصيبه من القرآن بمقدار استعداده، حتّى تنتهي المراتب إلى «المقام المكنون» الذي لا يبلغه إلّا النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.

2) إنّ القرآن الكريم، وإنْ كان عالميّاً وخالداً ولا يختصّ بعصرٍ ولا إقليمٍ ولا مجموعة خاصة، ولكنْ لا يحظى أيٌّ كان توفيق الاستفادة منه. فالذّنب والفساد والإلحاد والتقليد الباطل للأسلاف يختم على قلب الإنسان ويجعل عليه قفلاً يمنعه من التدبّر في معارف القرآن وإدراك أسراره: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد:24. ومعارف القرآن لا تنفذ في القلب المقفل، أمّا أولئك الذين صانوا فطرتهم؛ سواء كانوا مثل صُهَيب الذي جاء من الروم، أو مثل سلمان الذي جاء من فارس، أو مثل بلال الذي جاء من الحبشة، أو مثل عمّار أو أبي ذر اللّذين هما من الحجاز، فإنّهم أمام هذا الكتاب الإلهي سواءٌ وعلى نَسَقٍ واحد، لأنّ القرآن الكريم لا يختصّ بإقليم ولا قوميّة ولا عنصر معيّن، وإنّما هو شفاءٌ للأمراض الروحية وسببٌ للهداية ونزول الرحمة على جميع الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يونس:57.

والمقصود هو: أنّ هداية القرآن عامّة بالأصل. وأمّا الآيات الكريمة مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ البقرة:2، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ النازعات:45، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا..﴾ يس:70، فهي ليست ناظرة إلى أنّ دعوة القرآن مختصّة بالأتقياء وذوي الخشية وأصحاب القلوب الحيّة، بل المقصود منها هو أنّ الاستفادة والاهتداء والانتفاع وأمثال هذه الأمور هي لهؤلاء، ففي نفس الوقت الذي جاء فيه القرآن لجميع الناس، فإنّ مَن يتأثّر بآياته ويتّعظ ويهتدي بها هم المتّقون وأصحاب القلوب المستيقظة، ولذلك نرى إلى جانب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ النازعات:45، قوله تعالى: ﴿..وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ مريم:97، ما يفيد أنّ أصل الإنذار عالميّ، لأنّ القرآن نزل ﴿..لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان:1.

وإنّ أحد الشروط اللازمة للانتفاع من القرآن هو الفطرة السليمة التي لم تتكدّر بغبار وظلمة الذنب. وحتى العالَم الماديّ أيضاً، إذا لم يلوّث فطرته التوحيدية بالفساد، فإنّه يستطيع أن ينتفع بهدى القرآن. ولكن لو أطفأ نور فطرته بعناده الإلحاديّ فلن يكون له من القرآن نصيب، لأنّه سوف يعدّ القرآن أسطورةً ولا يكلّف نفسه عناء التفكير فيه.

3) إنّ كون القرآن مفهوماً لعامّة الناس، وكون إدراك معارفه ميسّراً للجميع، لا يعني أنّ كلّ فرد يستطيع ذلك، حتى إذا لم يكن عارفاً بقواعد الأدب العربيّ ولم يطّلع على العلوم الأساسيّة الأخرى التي لها دورٌ في فهم القرآن، وأنّ له الحقّ في التدبّر في المفاهيم القرآنية والاستنباط من القرآن، وبالنتيجة فهو يستطيع أن يعتمد على نتائج استنباطه ويحتجّ بها؛ بل المقصود هو أنّه إذا كان هناك شخص مطّلع وعارف بقواعد الأدب العربيّ، ومحيط ببقية العلوم الأساسية المؤثّرة في فهم القرآن، فإنّ له الحقّ في أن يتدبّر مفاهيم القرآن، وأن يعتمد على ثمرة استنباطه ويحتجّ بها.

***

.. حتّى لا يكونَ تأويله أو تفسيره بالرأي

«.. إنّ للقرآن منازلَ ومراحل وظواهرَ وبواطن، أدناها ما يكون في قشور الألفاظ وقبور التعيّنات. كما ورد: (إنّ للقرآن ظهراً وبطناً وحدّاً ومطلعاً). وهذا المنزلُ الأدنى رزقُ المسجونين في ظلمات عالم الطبيعة، ولا يمسّ سائرَ مراتبه إلا المطهّرون من أرجاس عالم الطبيعة وحَدَثِه، والمتوضّئون بماء الحياة من العيون الصافية، (والآخذون بحُجزة) أهل بيت العصمة والطهارة، والمتّصلون بالشجرة المباركة الميمونة، والمتمسّكون بالعروة الوثقى التي لا انفصامَ لها، والحبلِ المتين الذي لا نقْض له، حتّى لا يكونَ تأويلُه أو تفسيره بالرأي ومن قِبل نفسه، فإنّه ﴿.. وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..﴾...».

(الإمام الخميني، شرح دعاء السحر: ص 38)

 

أَوَمَا ترى الشهيدَ إلا مَن قُتل؟

ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ...﴾. (الحديد:19) عن أبي حمزة الثّمالي، قال: «.. قلتُ لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: جُعلت فداك، قد كبُر سنّي ودقّ عظمي، واقترب أجَلي، وقد خفتُ أن يُدركني قبل هذا الأمرِ الموتُ.

فقال لي: يا أبا حمزة، أَوَمَا ترى الشهيد إلّا مَن قُتل؟

قلت: نعم، جُعلت فداك.

فقال لي: يا أبا حمزة، مَن آمن بنا وصدّقَ حديثنا، وانتظر أمرَنا؛ كان كمن قُتل تحت راية القائم، بل واللهِ تحتَ راية رسول اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم».

(تفسير أبي حمزة الثمالي: ص 324 – 325)

 

 

 

اخبار مرتبطة

  تقرير

تقرير

15/01/2018

تقرير

  اصدارات عربية

اصدارات عربية

نفحات