صاحب الأمر

صاحب الأمر

11/05/2020

الانتظار العملي

 

 الانتظار العملي

تقوى ومرابطة وعزم على الجهاد

___ الشيخ حسين كوراني* ___

تظافرت الروايات حول أهمية انتظار المهدي المنتظر و فرج الأمّة بتولّيه لقيادة مسيرتها بشكل ظاهر، لينجز الله وعده ويعز جنده ويظهر دينه على الدين كله. ومن تلك الروايات:

عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج».

وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أفضل العبادة انتظار الفرج».

وعن الإمام الصادق عليه السلام: «مَن مات منتظراً هذا الأمر، كان كمَن هو في الفسطاط الذي للقائم عليه السلام».

 

حقيقــة الانتظار

لا يعني الانتظار  السلبية والامتناع عن أيّ عمل جهادي كما يحلو  للبعض أن يفهموه، ومَن انتظر قافلة ليسافر معها، فمن الطبيعي أن يكون على أتمّ استعداد للانطلاق بمجرد إيذانه بذلك، وبهذا يكون منتظراً لهذه القافلة .

والانتظار لكلّ أمر يستتبع استعداداً متناسباً مع ذلك الأمر المنتظَر.

ومن الواضح أن المنتظِر للإمام المنتظَر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ينتظر قائداً إلهيّاً سيقود مسيرة تحفّ بها الملائكة، وجمهورها الأساس أهل التقوى والعبادة، وسيخوض المعارك الحامية الوطيس والمتتالية.

عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما تستعجلون بخروج القائم، فوالله ما لباسُه إلّا الغليظ، وما طعامُه إلّا الشعير الجَشب، وما هو إلّا السَّيف، والموت تحت ظلّ السَّيف».

وهل يمكن تحقيق التناسب في نفس الإنسان مع هذه المسيرة إلّا بتعاهدها بالرعاية في مجالَي الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر؟

وإذا كان المنتظِر له، عليه السلام، لم يهتم بتهذيب نفسه وتزكيتها، فهل باستطاعته الانسجام مع مسيرة المتّقين والأبدال؟

بل هل يمكنه تحقيق هذا الانسجام والتناسب، إذا لم يكن يحمل روح الجهاد متشوّقاً إلى الشهادة في سبيل الله بما يستلزمه ذلك من إعدادٍ عسكري يمكّنه أن يجاهد بين يدي الإمام عليه السلام؟

من الطبيعي جداً أنّ مَن لا يحرص على إعداد نفسه في هذين المجالين، فلا يصحّ أن يُسمّى منتظِراً، بل ينبغي أن يخاف من شمول بعض الأحاديث له.

من ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا خرج القائمُ عليه السلام، خرج من هذا الأمر مَن كان يرى أنّه من أهله، ودخَل فيه شبهُ عبَدة الشمسِ والقمر».

لا يمكن الإعداد لتحمّل ذلك إلا بالبناء الإيماني الصادق العميق، وروح الجهاد المعتمدة على الله تعالى.

 

 التقـوى والانتظار

الاعتقاد بوجود الإمام المهدي عليه السلام، وبيعتُه، وتجديد البيعة، أو الالتزام بقيادته عبر بيعة نائبه وطاعته، وانتظاره، والمواظبة على آداب الغيبة، كلّ ذلك لا ينفع صاحبه شيئاً اذا لم يكن متّقياً.

فالتقوى هي المنطلق، وهي الشرط الذي لا يُقبل بدونه عمل، والمسيرة التي سيقودها عليه السلام، هي مسيرة أهل العبادة الذين تُطوى لهم الأرض، منهم مَن «يَسير في السحاب نهاراً»، وأهل البصائر الذين لا ذنوب لهم تحجبهم عن رؤية الحقيقة حين «تتطاير القلوب مطايرها».

وممّا يرشدنا إلى الترابط بين الانتظار والتقوى، ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَن سرّه أن يكون من أصحاب القائم فليَنتظِر، وليَعمل بالوَرع، ومحاسن الأخلاق وهو مُنتظِر، فإنْ مات وقام القائمُ بعده، كان له من الأجر مثلُ أجر مَن أدركه، فجِدّوا وانتظروا».

 

المرابطـة وروح الجهـاد 

وردت أحاديث كثيرة في الحثّ على المرابطة في زمن الانتظار. وما أودّ تسجيله هنا هو استغراب إضفاء طابع السلبية والقعود عن الجهاد، على مفهوم جهادي رافض، هو المرابطة.

فهل يكون مرابطاً مَن يكون على هامش الأحداث، لا يهتمّ بأمور المسلمين من قريب أو بعيد؟ وعلى أيّ الجبهات يرابط يا ترى؟ وبعض روايات المرابطة صريح في ذلك : في تفسير (البرهان) وغيره عن العياشي بسنده عن الصادق في معنى آية المرابطة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران:200، قال عليه السلام:  «".." ورابطوا في سبيلِ الله، ونحنُ السبيل في ما بين الله وخَلقِه، ونحن الرباط الأدنى، فمَن جاهد عنّا فقد جاهد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما جاء به من عند الله».

وفي تفسير (نور الثقلين): «وروي عن أبي جعفر، الإمام الباقر عليه السلام في تفسير الآية :معناهُ اصبِروا على المصائب، وصابروا على عدوِّكم، ورابطوا عدوَّكم».

ولا شكّ أنّ الوقوف مع الإمام المنتظّر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، أثناء غيبته، إنّما يتحقّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، مع نائبه الفقيه الجامع للشرائط، انطلاقاً من الاهتمام بأمور المسلمين، ومواجهة الطواغيت الذين يريدون ليطفِئوا نور الله تعالى

.

       العـزم على الجهـاد بين يدي الإمام 

عن الإمام الباقر عليه السلام: «إنّ القائل منكم إذا قال: إنْ أدركتُ قائمَ آل محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم نصرتُه، كالمقارعِ معه بِسَيفه، والشهادةُ معه شهادتان».

وهذا الحديث المبارك وحده يكفي للحثّ على العزم على الجهاد بين يديه عليه السلام.

وينبغي أن يكون واضحاً أنّ مجرّد هذا العزم يترتّب عليه الثواب الكبير الذي تتحدّث عنه الرواية، بدليل ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ لكم ثوابَ مَن استُشهد معه بنيّاتِكم، وإنْ مُتُّم على فرشِكم».

وتدلّ على ذلك جميع الروايات التي تبيّن أنّ الراضي بفعل قومٍ فهو شريك لهم في عملهم.

وهكذا يتّضح أنّ الانتظار عمل باتجاه تزكية النفس وتهذيبها، ومرابطة حيث يدعو التكليف الشرعي، وعزم على الجهاد بين يدي الإمام المنتظَر، تؤهِّل له التقوى والمرابطة.

___________________________

* مختصر عن كتاب (آداب عصر الغيبة)

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

نفحات