الملف

الملف

16/10/2012

أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاس

أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنّاس
بناءُ البيت الحَرام
ـــــ السيّد حبيب الخوئي، صاحب (منهاج البراعة) ـــــ


تدلُّ روايتان على أنَّ «أصل البناء كان في زمنِ آدم، ويطابقهما بعضُ الرّوايات الدّالة على أنّ أوّل البناء كان من آدم، ثمّ انطمسَ في زمان نوحٍ فبَناه إبراهيم، ثمّ بناه العمالقة، ثمّ قريش، ثمّ الحَجّاج اللَّعين».
ما تقدّم بعضُ ما وردَ في كتاب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة) للسيّد حبيب الخوئي رحمه الله، عند شرح إحدى خُطَب أمير المؤمنين عليه السلام حول الحجّ والكعبة.

موضعُ البيت هو أوّلُ جزءٍ من أجزاء الأرض في عالَم الخلق كما رُوي في (مَن لا يحضره الفقيه) عن أبي جعفر -الباقر- عليه السّلام: «لمَّا أراد اللهُ أن يخلقَ الأرض، أمرَ الرّياح الأربعَ فضرَبن (متنَ) الماء حتّى صار موجاً، ثمّ أزبدَ فصار زَبَداً واحداً، فجمَعه في موضع البيت، ثمّ جعلَه جبلاً من زَبد، ثمّ دحى الأرض من تحتِه، وهو قول الله: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً..﴾ آل عمران:96، فأوّلُ بقعةٍ خُلِقت من الأرض الكعبة، ثمّ بدَت الأرضُ منها» .
* وأمّا البناء الأصليّ، ففي رواية (الفقيه) عن [الإمام الرِّضا] عليّ بن موسى بن جعفر عليهم السلام أنّه قال: «في خمسة وعشرين من ذي القعدة أنزلَ اللهُ عزَّ وجلّ الكعبةَ البيتَ الحرام، فمَن صامَ ذلك اليوم كان كفّارة سبعين سَنة، وهو أوّلُ يومٍ أُنزل فيه الرّحمةُ من السّماء على آدمَ عليه السّلام».
** وفي روايةٍ أُخرى فيه [كتاب مَن لا يحضره الفقيه] أيضاً عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله [الإمام الصادق] عليه السّلام: «إنّ الله عزّ وجلّ أنزلَه لآدمَ من الجنّة، وكان درّةً بيضاءَ فرفعَه اللهُ عزَّ وجلّ إلى السّماء وبقِيَ أُسُّه [أساسه]، وهو بحِيال [بموازاة] هذا البيت يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألف ملَك لا يرجعون إليه أبداً، فأمرَ الله عزّ وجلّ إبراهيمَ وإسماعيل عليهما السلام ببُنيان البيتِ على القواعد».
*** وفي تفسير عليّ بن إبراهيم عن [الإمام] الصّادق عليه السّلام في روايةٍ طويلة، قال عليه السّلام: «..فلمّا بلغَ -يعني إسماعيل- مبلغَ الرّجال، أمرَ اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السّلام أن يبنيَ البيت، فقال: يا ربّ في أيّ بقعة؟
لمّا أمرَ اللهُ إبراهيمَ أن يبنيَ البيتَ لم يدْرِ في أيّ مكانٍ يَبنيه، فَبعثَ الله جبرئيل فخطَّ له موضعَ البيت، فأنزلَ اللهُ تعالى عليه القواعدَ من الجنّة.
فقال: في البُقعة التي أنزلت على آدم القُبَّة، فأضاءَ لها الحرَم، فلم تزَل القبّة التي أنزلَها الله على آدم قائمةً حتّى كان أيّام الطّوفان -أيّام نوح عليه السّلام- فلمّا غرقتْ الدّنيا رفعَ الله تلك القبّة، وغرقت الدّنيا إلَّا موضعُ البيت، فسُمّيت البيت العتيق لأنّه أُعتِق من الغرَق، فلمّا أمرَ اللهُ إبراهيمَ أن يبني البيتَ لم يدْر في أيّ مكانٍ يَبنيه، فبعثَ الله جبرئيل فخطَّ له موضعَ البيت، فأنزل اللهُ تعالى عليه القواعدَ من الجنّة. وكان الحجرُ الذي أنزلَه اللهُ على آدم أشدَّ بياضاً من الثّلج، فلمّا مسَّته أيدي الكفّار اسوَدّ. فبنى إبراهيمُ البيت، ونقل إسماعيلُ الحَجر من "ذي طوى"، فرفعَه إلى السّماء تسعة أذرُع، ثمّ دلَّه على موضع الحَجر، فاستخرَجه إبراهيمُ ووضعَه في موضعه.. الحديث» .
أقول: المستفادُ من هاتين الرِّوايتَين ومن بعض الرّوايات الآتية ".." أنّ أصلَ البناء كان في زمن آدم، ويطابقهما بعضُ الرّوايات الدّالة على أنّ أوّل البناء كان من آدم، ثمّ انطمسَ في زمان نوحٍ فبناه إبراهيم، ثمّ بناه العمالقة، ثمّ قريش، ثمّ الحَجّاج اللَّعين .
وفي رواية أبي بصير المرويّة في (الفقيه) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنّ آدم هو الذي بنى البُنْيَة، ووَضعَ أساسَه [البيت]، وأوّل مَن كساه الشَّعر، وأوّل مَن حجّ إليه ..».
إلَّا أنّ المستفَاد من بعض الرّوايات الأُخَر أنّه كان قبل آدم هناك بيت يُسمّى «بيتُ الضُّراح»، كان يطوفُ به الملائكة، فلمّا هبطَ آدمُ إلى الأرض أُمِرَ بطوافِه .
ويؤيّدُه ما رواه الصّدوق عن بكير بن أعين عن أخيه زُرارة، قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السّلام: جعَلني الله فداك، أسألك في الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتيني. فقال: «يا زُرارة، بيتٌ يُحَجُّ قبل آدمَ بألفَي عام، تريدُ أن تُفتى مسائله في أربعين عاماً» ".."
وجهُ الجمعِ بين الرّوايات
ووجهُ الجَمع بين هذه الرّوايات، والرّوايات الأولى غيرُ خفيٍّ على أهل المعرفة ".."
* [قال]: عليُّ بن إبراهيم: «ولمّا فرغَ إبراهيمُ من بناء البيت أمرَه اللهُ أن يؤذِّن في النّاس بالحجّ، فقال: يا ربِّ وما يبلغُ صوتي. فقال: أذِّن، عليك الأذانُ وعليَّ البلاغ. وارتفعَ على المقام وهو يومئذٍ ملصقٌ بالبيت، فارتفعَ به المقامُ حتّى كان أطولَ من الجبال، فنادى وأدخلَ إصبعَيه في أُذنَيه وأقبلَ بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيّها النّاس! كُتِبَ عليكم الحجُّ إلى البيت العَتيق، فَأَجِيبوا ربَّكم، فأجابوه من تحت البحور السّبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطَع التّراب من أطراف الأرض كلّها؛ من أصلاب الرّجال ومن أرحامِ النّساء بالتّلبية: لبّيك اللّهُمَّ لبّيك. أوَلا ترونَهم يأتون يلبّون، فمَن حجَّ يومئذٍ إلى يوم القيامة، فهم ممّن استجابَ لله، وذلك قوله: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ..﴾ آل عمران:97، يعني بذلك نداء إبراهيم على المقام بالحجّ».
** وعن (الكافي) و(العِلل) عن الإمام الصّادق عليه السلام، قال: «لمّا أُمِرَ إبراهيم وإسماعيل ببناء البيت وتمَّ بناؤه، قعدَ إبراهيمُ على كلِّ ركنٍ ثمّ نادى: هَلُمَّ الحجّ. فلَو نادى: هلُمّوا إلى الحجّ، لم يحجَّ إلَّا مَن كان يومئذٍ إنسيّاً مخلوقاً. ولكن نادى: هَلُمَّ هَلُمَّ الحجَّ الحجّ، فلبَّى النّاسُ في أصلاب الرِّجال: لبّيكَ داعيَ الله، لبَّيكَ داعيَ الله. فمَن لَبَّى عشراً حجَّ عشراً، ومَن لَبّى خَمساً حجَّ خمساً، ومَن لبّى أكثر فَبِعدَد ذلك، ومَن لبّى واحدةً حجَّ واحدة، ومَن لم يُلَبِّ لم يحجّ». ونحوُ ذلك في كتاب (من لا يحضره الفقيه).
(منهاج البراعة: ج 2، ص 249)


اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

16/10/2012

دوريات

نفحات