أجزاء الفصل الخامس (1) (2) (3) (4) (5) (6)

 

الشهيد قيس بن مُسْهِر الصيداوي
على أعتابه
إبن صحابي، و رسول النهضة الحسينية الأول، منذ حمل أول مجموعة من رسائل أهل الكوفة إلى الإمام في مكة، وإلى آخر رسالة منه عليه السلام إلى الكوفة حيث استشهد، ومؤذن النهضة الحسينية الثالث - بعد الشهيدين مسلم وعبدالله بن بقطر – من فوق قصر الإمارة بفوار الدم والهمة والصلابة التي تتهاوى على أقدامها الجبال التي تُستفَلُّ بالمعاول، في ما لا يستفل من شديد تماسك المؤمن المؤمن كالشهيد قيس شيء، ولو بمقدار حبة من خردل.

تتراءى صورته للقلب فيض همة غامر، ونبع عزيمة فوار متدفق، يشبهه من بعيد تدفق الشلال يتحدر ثجاجاً من كوثر زلال.

و يحاول القلب أن يقترب من معدن هذه الهمة، وجوهر هذه العزيمة، فلا يفقه من ذلك إلا عناوين حب الله وحب المصطفى الحبيب وحب أهل البيت الذي يتلخص بحب الحسين.

و ما أدراك يا قلب ما حب الحسين في قلب قيس بن مُسْهِر؟ وخرطُ القتاد أبسط ما يفصل بينك وبين أن تدري ماحب قيس بن الملوح لليلاه!

أنى لك أن تدخل حرم حب قيس بن مُسْهِر للمولى أبي عبدالله الحسين؟

أو ما سمعت بشاعر معاصر شارف إنجاز نص حول كربلاء، قرر أن يكون ختامه عتاب الفرات كيف لم يمتد فيوصل الماء إلى الحسين، فلم يستطع ذلك إلا بعد أن شارف ذهاب النفس حسرات.(1)

فكيف بصاحب القلب السليم الذي رأى الحسنين، وربما علياً وسمع بواسطة واحدة شجون حديث المصطفى الحبيب وحفيف أجنحة جبرئيل والملائكة، وربما وصله بعض زغبها الملتقط من بيوت أهل البيت.

قصة قيس بين شهداء كربلاء، متميزة وكل قصصهم تمُّيز، وكلهم نور حسيني واحد.

إخلع يا قلب نعلي ادعاء الولاية والمعرفة، مقراً بالعجز، معترفاً بالجهل، ويمم وجهك - بالتوسل بهذا الشهيد الجليل - شطر الوادي المقدس طوى، فلعل وعسى.

إنه قيس الحسين، وكفى.

* ضبط الإسم
قيس بن مُسْهِر بن خالد بن جندب بن منقذ بن حر(جسر) بن نكرة
(2) بن الصيدا بن عمرو بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد(3) وقيل غير ذلك، والصيداوي نسبة إلى صيدا بطن من أسد (4)

و يأتي في الحديث عن شهادته أنه "شيخ بني الصيداء".

الأرجح أن مُسْهِر بضم الميم وسين مهملة ساكنة وهاء مكسورة على وزن منعم ومحسن.(5)

* محاور التعريف بالشهيد
1- مهام الشهيد.
2- في الأسر.
3- الشهادة.

المحور الأول: مهام الشهيد
تندرج مهام الشهيد تحت عنوان رسول النهضة الحسينية، الذي حاز قصب السبق في كثرة الرسائل التي نقلها إلى الإمام ومنه عليه السلام، وسيأتي في الحديث عن شهادته ما يدل على موقعه عند سيد الشهداء.

و قد توزعت مهام الشهيد كالآتي:
1- حمل أول مجموعة من رسائل أهل الكوفة الأولى إلى الإمام في مكة
(6) ومعه عبدالرحمن بن عبدالله الأرحبي وعمارة بن عبدالله السلولي، وبلغ عدد الرسائل "نحواً من ثلاثة وخمسين (كذا) صحيفة، من الرجل والإثنين والأربعة" (7) وقيل هي "نحو من مائة وخمسين صحيفة من الرجل والإثنين والأربعة"(8)

و تتيح بعض النصوص إمكانية تقدير تاريخ هذه المهمة، حيث أن الرسولين اللذين حملا الرسالة الأولى قد توجها مسرعين فوصلا مكة في العاشر من شهر رمضان (عام ستين للهجرة)،  وكان انطلاق الشهيد قيس ومن معه من الكوفة بعد مغادرة الرسولين السابقين بيومين(9) وهو ما يسمح بتقدير أن انطلاقتهم كانت في أوائل شهر رمضان، ووصولهم إلى مكة حوالي اليوم الثاني عشر منه.

2- ويبدو أن مقام الشهيد قيس في مكة لم يتجاوز الثلاثة أيام، فتوجه مع الشهيد مسلم إلى الكوفة برفقة زميليه اللذين جاءا معه(10) يدل على ذلك نص المسعودي على أن خروج الشهيد مسلم من مكة كان في الخامس عشر من شهر رمضان(11)

توجه الشهيد مسلم ومن معه إلى المدينة المنورة " فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وودع من أحب من أهله،  ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلاّ الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان: هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشاً".(12)

3- وتبدأ المهمة الثالثة للشهيد قيس، حيث حمل رسالة من الشهيد مسلم إلى الإمام، إذ أن هذه الحادثة قد أخذت الركب باتجاه مكة(13) عندها " كتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مُسْهِر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبت أما بعد فإنى أقبلت من المدينة معى دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت".(14)

و لعلها أكثر أسفاره الكربلائية دلالة على علوِّ همته رضوان الله عليه، فهو قد خرج للتوّ مع صحبه من داهم خطر الموت عطشاً، وها هو عازم على قطع مسافة مائة وستين فرسخاً ذهاباً وإياباً، على أقل تقدير.(15)

و تجدر الإشارة هنا إلى أن رسل النهضة الحسينية لم يكونوا مجرد حملة رسائل، بل كانوا من الوجوه المعروفة، وقد تقدمت الإشارة إلى أنه سيأتي عن الشهيد قيس أنه "شيخ بني الصيداء".

كما تجدر الإشارة إلى أن الدينَوَري يرى أن الشهيد مسلم لم يرسل الشهيد قيساً، بل أرسل "رسولاً استأجره من أهل ذلك الماء"(16) ويبعده أن المهمة شديدة الخصوصية، ويفسح المجال أمامه أن نص الرسالة "أمني" لا يشي بشيء، إلا أن الأرجح أن الذي حمل الرسالة هو الشهيد قيس لاستفاضة ذلك في المصادر وتفرد الدينوري – في ما رأيت – بما ذكر.

4- أوصل الشهيد الرسالة إلى الإمام الحسين عليه السلام في مكة، ثم حمل منه الرسالة الجوابية التي تقدم البحث حول مضمونها، ثم انطلق الجميع باتجاه الكوفة، فوصلوها "لخمس خلون من شوال". (17)

و هكذا يتضح أن الشهيد قيس بقي على جناح السفر طيلة حوالي خمسة وثلاثين يوماً، من أوائل شهر رمضان إلى الخامس من شوال.

5- ويبدو أن الشهيد قد بقي في الكوفة إلى حوالي الثاني عشر من ذي القعدة، وطبيعي أن يكون الشهيد مسلم قد أرسل غيره في هذه الفترة، وجاءه الجواب كما مر في ترجمة الشهيد مسلم، ومع تطاول مدة إقامته، فقد تبلورت للشهيد مسلم صورة أكثر دقة عن الوضع في الكوفة وبايعه خلالها المزيد ممن بايع، وبدأت تلوح في الأفق مخاطر التأخر في إعلان النهضة، فكتب إلى سيد الشهداء، قبل الإنهيار الكوفي المدوي "لسبع وعشرين ليلة"(18) وأرسل الكتاب " مع عابس بن أبي شبيب الشاكري وقيس بن مُسْهِر الصيداوي"(19)

6- وفي هذه المرحلة يبدأ التداخل بين مهمة الشهيدين عبدالله بن بقطر وقيس، إذ يحتمل أن الإمام استبقى قيساً في مكة وأرسل عبدالله وهو مايزال في مكة، على تفصيل مر في ترجمته، إلا أن من الوضوح بمكان لدى مراجعة المصادر أن المهمة السادسة لقيس رسول النهضة الحسينية بامتياز، كانت من "الحاجر" في "بطن الرمة"(20) وهي حوالي ثلث الطريق من مكة إلى الكوفة(21) الأمر الذي يعني أن الشهيد قطع أكثر من نصف ما بقي من الطريق قبل أن يواجه الإعتقال ويفاجأ بالإنهيار الكوفي الذريع.

المحور الثاني: في الأسر.
حتى الثامن من ذي الحجة، كان قد مضى على مغادرة قيس الكوفة سبع وعشرون ليلة كما تقدم، يضاف إليها المدة التي استغرقها الطريق، وهي على ثلاثة أقسام: المدة التي أمضاها قيس في ركاب سيد الشهداء من مكة إلى الحاجر، والمدة التي أمضاهاً رسولاً إلى الكوفة قبل الإعتقال، والمدة التي أمضاها رهن الإعتقال من القادسية إلى الكوفة.
و قد كان الطابع العام لسفر الإمام قبل وصول خبر استشهاد الثلة الكربلائية الأولى ما عبر عنه الإمام في الرسالة التي كتبها من بطن الرمة - ويأتي تفصيلها - بقوله "حثيث السير اليكم"
(22)

و طبيعي أن توجهه كرسول يستلزم مزيداً من حث السير، وهو ما ينفع في تقدير أن انطلاقة الشهيد قيس من الحاجر كانت - تقريباً - حوالي الثاني عشر من ذي الحجة، ووقوعه في الأسر في حوالي الخامس عشر منه، ولكي نتمكن من تقدير أولي لتاريخ استشهاده رضوان الله عليه، لابد أن يضاف إلى هذا التاريخ ما استغرقه وقت نقله مخفوراً من القادسية إلى الكوفة كما يأتي.

و لابد من الإشارة هنا إلى أمرين:
الأول: أن ابن أعثم يصرح بأن مهمة الشهيد قيس الأخيرة كانت من منطقة "وراء عذيب الهجانات" بعد أن قدم الحر في جيشه، وإذا صح ذلك أمكنه أن يحل مشكلة التداخل بين مهمتي الشهيدين عبد الله وقيس، على كلام في مضمون الرسالة التي يذكر ابن أعثم وغيره أن الإمام بعث بها إلى أهل الكوفة بعد وصول الحر إليه، إلا أن أبسط ما يعارض رواية ابن أعثم ما يأتي من تصريح أبي مخنف بأن وصول خبر استشهاد قيس إلى الإمام عليه السلام كان في" عذيب الهجانات" أي نفس المنطقة التي ذكر ابن أعثم أن الشهيد قيساً توجه إلى الكوفة منها.

الثاني: ألراجح أن نص الرسالة التي حملها الشهيد قيس في مهمته الأخيرة، لم يصلنا لأنه مزقها حتى لا تقع في يد ابن زياد كما سيأتي، ورغم أن بالإمكان وصول مضمونها وإن مزقت وكتمت، إلا أنه بعيد وليس ممتنعاً، ولذلك كان خلافه الراجح.

و على هذا الأساس ينبغي التعامل باحتياط مع نصين قيل إنهما الرسالة التي حملها الشهيد قيس في مهمته السادسة والأخيرة، والظاهر أن أولهما(23) هو نص الرسالة التي حملها الشهيد عبدالله بن بقطر، الذي تتشابك ترجمته مع ترحمة الشهيد قيس للنصوص الملتبسة التي تقدم بيانها في ترجمته.

أما ثانيهما فهو كما استظهر السيد الأمين - ولم يرجح - بالخطبة أشبه.(24)

أما في تفاصيل وقوعه أسيراً، فالمتوفر من ذلك أنه " لما بلغ عبيدالله (بن زياد) إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه حتى نزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة، والى لعلع، وقال الناس هذا الحسين يريد العراق".(25)

و يوضح نص آخر مهمة الحصين بن نمير بقوله "أن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان".(26)

و هو العنوان العسكري- الأمني العام.

و نجد في التفاصيل أن "ابن زياد وجه بالحصين بن نمير- وكان على شرطه- في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، وأمره أن يقيم بالقادسية إلى القُطقُطانة، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز إلا من كان حاجاً أو معتمراً، ومن لا يتهم بممالئة الحسين".(27)

و هو العنوان السياسي المصاغ بطريقة تحقق هدف السلطة، في حين تتظهرها بمظهر الحريص على الدين.

و"أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام، إلى طريق البصرة، فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج، فأقبل الحسين ".." حتى لقي الأعراب فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج".(28)

و هو الوصف الطبيعي للطريقة التي نفذ بها أمر المهمة، بما ينسجم مع أهداف السلطة، ويتجاوز حدود الصياغة الفنية الملائمة للإعلان.

و طبيعيٌّ أن ذلك كان في الفترة التي تلت شهادة مسلم وهانيء، وسيطرة ابن زياد على الكوفة، مما سمح له أن يرسل رئيس شرطته إلى خارج الكوفة(29) .

و يمكن من خلال هذين النصين رسم صورة دقيقة عن الوضع الأمني والعسكري على طول الخط الذي لابد للقادم من مكة إلى الكوفة من اجتياز بعضه، من خفان إلى لعلع، والذي يمتد على مسافة تربو على مائة وخمسين ميلاً، وتقترب من مائة وستين(30) وربما زادت على ذلك بكثير، ولقد كان هذا الخط بطوله مزروعا ًبالمفارز المسلحة التي تتكون من الفرسان لا المشاة، كما يفيده تعبير "نظم الخيل".

على هذا الخط المزروع بالمفارز، وفي هذا الجو وقع الشهيد قيس في الأسر، ولهذا الجو تأخر وصول خبر استشهاده – بالطرق المتعارفة – إلى الإمام الحسين عليه السلام، كما سيأتي.

و لئن جرت عادة النصوص على أن تضن في الكثير من المفاصل الحرجة بالتفاصيل، فإن ما جادت به حول وقوع الشهيد في الأسر - على خلاف عادتها - بالغ الأهمية وافر الدلالة.

يبدأ الحديث في ما يتعلق بالإعتقال موجزاً جداً، بلغة "وأقبل قيس بن مُسْهِر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسية، أخذه الحصين بن نمير، فبعث به إلى عبيدالله بن زياد".(31)

ثم يتخذ منحى آخر عبر نصين:

1- " فأخرج الكتاب ومزقه فلما حضر بين يدى عبيدالله قال: من أنت؟

قال: رجل من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام.

قال: فلماذا مزقت الكتاب؟

- لئلا تعلم ما فيه

- ممن الكتاب وإلى من؟

قال من الحسين عليه السلام، الى قوم من أهل الكوفة، لا أعرف أسماءهم".(32)

ثم تتبدى تفاصيل أخرى أكثر دقة وأهمية حيث نقرأ:

" فمضى قيس إلى الكوفة وعبيدالله بن زياد قد وضع المراصد والمصابيح على الطرق، فليس أحد يقدر أن يجوز إلا فُتش، فلما تقارب من الكوفة قيس بن مُسْهِر لقيه عدو الله يقال له: الحصين بن نمير السكوني، فلما نظر إليه قيس كأنه اتقى على نفسه، فأخرج الكتاب سريعاً فمزقه عن آخره. قال : وأمر الحصين أصحابه، فأخذوا قيساً وأخذوا الكتاب ممزقاً حتى أتوا به إلى عبيدالله بن زياد، فقال له عبيدالله بن زياد : من أنت ؟

قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي، رضي الله عنهما.

- فلم خرقت الكتاب الذي كان معك ؟

- خوفاً، حتى لا تعلم ما فيه .

- وممن كان هذا الكتاب والى من كان ؟

- كان من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم .

فغضب ابن زياد غضباً عظيماً ، ثم قال :

والله لا تفارقني أبدا أو تدلني على هؤلاء القوم الذي كتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه فتنجو من يدي، أو لأقطعنك ".(33)

2- " مضى قيس بن مُسْهِر يريد الكوفة، وعبيدالله بن زياد قد وضع المراصد والمسالح على الطرق والشوارع، فليس أحد يقدر أن يجوز، فلما قارب قيس الكوفة، لقيه الحصين بن نمير السكوني، فلما نظر إليه قيس كأنه أحس بأنه يقبضه، فأخرج الكتاب سريعاً ومزقه، وأمر الحصين أصحابه فأخذوا قيساً وأخذوا الكتاب ممزقاً، حتى أتي به إلى ابن زياد وأخبر بقصته، فقال له ابن زياد من أنت؟

قال: رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

- لم خرقت الكتاب الذي معك؟

- خوفاً أن تعلم ما فيه.

- ممن كان هذا الكتاب وإلى من كان؟

- من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.

فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تدلني على هؤلاء القوم المكتوب اليهم، أو تصعد المنبر فتلعن حسيناً وأباه وأخاه، فتنجو من يدي، أو لأقطعنك إرباً إرباً.(34)

و هي تفاصيل تغني الكاتب عن الإستنتاج والتحليل، فالشهيد هو الذي يتولى تقديم الدروس الكربلائية للأجيال في سرعة الأخذ بزمام المبادرة في المنعطفات، ومواجهة أشد الظروف حراجة ببرد اليقين، والمضي قدماً في طريق ذات الشوكة، واغتنام الفرصة السانحة للقيام بالواجب الرسالي، يرفد ذلك كله خزين حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وآله، المتجسد حباً للحسين.

و سواء أخذنا بالرواية الأولى أو الثانية حول جوابه على سؤال الطاغية: من أنت؟ فإن الحقيقة الصراح أنك مهما تأملت في سيرة أصحاب الحسين عليه السلام أراك خير الأصحاب من حبه عجباً.

غير أن للرواية الأولى فرادة روعة وبهاء، "أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي" !

و إذا كان الجواب بصيغته الثانية، يجعل الطاغية يستشيط غضباً، فما بال الصيغة الأولى؟

لذلك كان غضب الطاغية عظيماً، فلقد سد الشهيد في وجهه السبل، وضيق عليه الخناق.

هذا ولم يبلغ موقف الشهيد النهاية الآتية.

* المحور الثالث:الشهــادة.
" آن لهذا الفارس أن يترجل".

لا سبيل إلى معرفة مقالة الشهيد قيس في انهيار الكوفة المدوي.

لئن أراد المختار من قبل أن يقول: ارتج عقلي من فعلتكم!

فماذا قال الشهيد قيس بن مُسْهِر، وهو يرى نفسه أسيراً في أيدي من حمل رسالة منهم إلى الإمام، تقول بعض نسخها "إن لك قبلنا مائة ألف سيف"!(35)

إلا أن فعل الشهيد يغني عن أي مقالة.

لم يصدق أن ميزان القوى استقر على ما يرى، ومن هنا كان إصراره على الرسالة الشهادة والشهادة الرسالة.

إذا كان قد اضطر إلى تمزيق الرسالة قياماً بواجب الأمانة، وحفظاً لمن وجهت إليهم، فلعل مزق الجسد تعيد وصل الرسالة الممزقة.

ليس أمامه الآن لإيصال الرسالة إلا أن يبلغها لأصحابها مشافهة، ولو أدى ذلك إلى تمزيق الجسد.

لذلك، ودون أدنى تردد، تلقف الشهيد عرض الطاغية، مغتنماً الفرصة السانحة، فقال:

" أما هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فإني أفعل. قال : فأمر به فأدخل المسجد الاعظم، ثم صعد المنبر وجمع له الناس ليجتمعوا ويسمعوا اللعنة، فلما علم قيس أن الناس قد اجتمعوا وثب قائماً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على محمد وآله، وأكثر الترحم على علي وولده، ثم لعن عبيدالله بن زياد ولعن أباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم، ثم دعا الناس إلى نصرة الحسين بن علي"(36)

و تعرض المشهد رواية أخرى باختلاف عما تقدم فتقول إن ذلك كان من أعلى القصر، وهي الأكثر شياعاً في المصادر أذكر من مظانها النماذج التالية:

1- " فصعد قيس القصر فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها "الناس" إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنا رسوله وقد فارقته (في الحاجر) فاجيبوه، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب فأمر عبيدالله فألقي من فوق القصر فمات".(37)

2- " فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم فأجيبوه، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب عليه السلام وصلى عليه فأمر به عبيدالله أن يرمى به من فوق القصر، فرموا به فتقطع . ".. " وروي : أنه وقع إلى الأرض مكتوفاً فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فجاء رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال : أردت أن أريحه".(38)

3- " فقال له عبيدالله اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب فصعد، ثم قال: أيها الناس إن هذا الحسين بن على خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبى طالب، قال فأمر به عبيدالله بن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرمي به فتقطع فمات".(39)

4- وتَجمع رواية ابن أعثم والخوارزمي نقلاً عنه بين إبلاغ الرسالة من على المنبر، والشهادة من أعلى القصر:

" فأمر عبيدالله أن يدخل المسجد الأعظم، ويصعد المنبر، وتُجمع الناس ليلعن وتسمع الناس، فأدخل المسجد وجمع الناس للإستماع، فأصعد المنبر، ووثب قائماً عليه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد وأهل بيته، وأكثر الترحم على علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، ولعن يزيد بن معاوية وعتاة بني أمية وطغاتهم، وأكثر اللعن على عبيدالله بن زياد، ثم دعا إلى نصرة الحسين وحث الناس عليها، فأُخبر ابن زياد بذلك، فأمر به أن يصعد به القصر ويرمى من أعلاه، فأصعد أعلى القصر، ورمي به على أم رأسه، فاندقت عنقه، وخرج دماغه من أذنيه".(40)

و طبيعي - بخلاف ظاهر النص الأخير- أن يكون الجلاوزة الموكلون به قد انتظروا حلول وقت الصلاة، واجتماع الناس لأدائها.

و لم يكن يدور في خلد أحد من أولئك المصلين، أنهم سيشهدون تجسيد التوأمة بين الجهاد والصلاة، وأستغفر الله من شديد الفصل بينهما بالحديث عن التوأمة، بل سيشهدون المعنى الحقيقي للأذان والإقامة، وتكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، والسجود، والذكر والخشوع.

ها هو الأذان لدى الشهيد قيس أفضل الجهاد، إنه كلمة حق أمام سلطان جائر.

و ها هي الإقامة، رفض الطاغوت، والسفر الدائم في صراط إقامة العدل وكسر القيود، والتحرر من الإصر والأغلال.

و لا قراءة إلا بلغة أفصح من نطق بالضاد، فبلغ الرسالة وصدع بالنذارة، لئلا يكون للناس على الله حجة، وهي لغة الولاية لولاة الحق والائتمام بهم، لغة "أيها الناس ، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم فأجيبوه".

و لا ركوع أو سجود، ولا ذكر أو فكر إلا للحق وفي الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

آثر قيس جوار الحق، بصلاة مقبولة، يقبل بها ما سواها.

و آثر قاضي الكوفة أن يكون مدية الطاغوت تهوي إلى مقيمي الصلاة، وتلك هي مهمة وعاظ السلاطين، عبدة مستنقع الأنانية والشهوة الموبوء.

و قد تقدم في ترجمة الشهيد عبدالله ما يخفف من وطأة الإستبعاد في ما نحن فيه وإن كان لا يرفعه.

و الراجح أن صلاة الشهيد قيس برسالة الإمام كانت من أعلى القصر، فهو ما يتبناه أبو مخنف وأهل مكة أدرى بشعابها، وسيأتي قريباً كلامه .

و لو لم يكن بين من تبلغوا الرسالة إلا الشهيد خالد بن عمرو الصيداوي لكفى، فكيف وقد كانوا كُثراً، كلهم خالد.

انطلق خالد ومعه أربعة - لم يقدر لأحدهم وهو الدليل الطرماح أن يكون معهم في عداد أصحاب الحسين - فوصلوا إلى الإمام عليه السلام في "عذيب الهجانات" " على رواحلهم يجنبون فرساً يقال له الكامل وهولنافع بن هلال - الذي كان قد خرج قبلهم-  ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه" وبعد أن حاول الحر منعهم من اللحاق بسيد الشهداء وتطور الموقف وبلوغه مشارف المواجهة، تراجع الحر.

" ثم قال لهم الحسين أخبروني خبر الناس وراءكم؟

" فقال له مجمع بن عبدالله العائذى وهو أحد النفر الأربعة الذين جاؤوه:

" أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم فهم إلب واحد عليك، وأما سائر الناس بعد فإن أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك.

" قال أخبرني فهل لكم برسولي إليكم؟

قالوا من هو؟

قال قيس بن مُسْهِر الصيداوي

فقالوا نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فألقي من طمار القصر.

فترقرقت عينا حسين عليه السلام ولم يملك دمعه، ثم قال: " منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" أللهم اجعل لنا ولهم الجنة نُزُلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك".(41)

ليهنك حب الحسين لك يا قيس، ليكشف أن حبك له الشجرة الطيبة لا وهم الحب، ويحمل كل القلوب إلى سواحل التأمل في ترقرق عيني الحسين، وإنحدار دمعته على ذلك الخد... التريب!

حر قلبي لزينب مذ رأته             ترب الخد مثخناً بالجراح

و ليهنك بعده وسام صدق العهد، ووسام جيرة المصطفى الحبيب وآله الأطهار.

علَّ المولى الجليل الشهيد قيساً يتنفس على هذه القلوب بالرضا، بنظرة، بكلمة آمين، توصلها إلى الحسين، فقد بعدت الشقة، وتقاصرت الهمة، وتصحرت النفوس، فمَن مبلغٌ عنها الحسين رسالة من قعر المضيق بلا خبت، بل من يبلغها رسالة الحسين والطريق مزروعة بعقبات النفس والشيطان وغرور الدنيا، والإخلاد إلى البهارج، إلا من تصاغرت شم القمم لسفح همتهم.

عُلُوٌّ في الحياة وفي المماة            لعمرك تلك إحدى المكرمات

لولا نزول القرآن لما كان للكلم الطيب صعود، ولما كان للعمل الصالح وجود، ولولا سقوط الشهداء، ما ارتفعت للأمة هام.

تحجب التجزئة جمال الصورة، ويحجب قصور الوعي رائعة الشهادة، ويكتفي القاعدون بالتفكيك والتجزئة، فإذا هم أمام قتيل يهوي من طمار القصر، ويخشع المجاهدون في محراب رسول الحسين تهتف دماؤهم : لبيك يا حسين.

إلا أن جلال الموقف وعظمة الإنجاز لا يخفيان جرح قلب مكتوماً، وعتاباً مراً لبني الصيداء، وهم يرون شيخهم أسيراً، يتوقد عزيمة وإصراراً، ويتفجر ثورة وإقداماً، فلماذا أسلموه ولاذوا بالجبن والصغار؟

هل كان البركان المتجول الكميت يقصد ذلك حين قال:

وشيخ بني الصيداء قد فاظ قبلهم(42)

و لعل صيداوياً منهم يقول: كانت شدة الوطأة فوق التصور، وكان اختلال ميزان القوى يطيش كل لب، حتى أن ثلاثين ألف دارع، كانوا من يستنفرهم هانيء بن عروة في الملمات أسلموه، وإذا به ينادي : وا مذحجاه ولا مذحج لي اليوم!

أليس في ذلك بعض ما يخفف من عتاب بني الصيداء يُسْلمون شيخهم.

إنه منطق تبرير الجبن بالأدهى، وقل كل يعمل على شاكلته، وليس الموقف الكربلائي متميزاً إلا لأنه الإقدام في زمن ازدهر فيه منطق الإحجام، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر .

و في مثل هذا الجو كانت وقفة الشهيد قيس وصرخته من فوق رأس ابن زياد وكل الطغاة، من أعلى القصر.

إن تأبين سيد الشهداء له بعد هذا الموقف، مادة لاستنباط الحكم الشرعي، في سياق فقه الجهاد والشهادة.

مجدداً، لتهنك أوسمة سيد الشهداء، أيها القائد الحسيني الكبير، و"لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" في مستقر الرحمة ومن مذخور الثواب.

 

الشهيد عبد الأعلى بن يزيد الكلبي

* على أعتابه
لئن فاتك اللحاق بمسلم، والجهاد بين يديه، فلم يفتك اللحاق به مضرجاً بدم الشهادة، لتصل إلى إمام زمانك ودم الوريد يهتف يا حسين.

أما أنت فسرعان ما وصلت، وبقينا نحن لهمِّ الدنيا وغمها، والتواءات الأمارة وزحاليفها.

و ما أقصر الشقة سيدي لديك، وما أبعد شقتنا وأطول مشقتنا.

ماذا فعلت حتى وصلت سريعاً؟

ياحسين! ويا إمام العصر وصاحب الزمان!

بغربة المولى عبد الأعلى نظرة محمدية لتتجذر في القلوب عبودية الأعلى، ونتحرر من عبادة الهوى، وربما الضلال على علم.

* ضبط الإسم
أورد الطبري الإسم برواية أبي مخنف عن أبي جناب الكلبي، مرتين مرة "رجلاً من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد"
(43) ومرة "عبد الأعلى الكلبي"(44) فهو عبد الأعلى بن يزيد الكلبي(45) . وقيل في نسبته أيضاً: "العليمي، من بني عُليم".(46)

* محاور التعريف بالشهيد
1- ملامح من شخصيته.
2- ظروف الإعتقال.
3- الشهادة.

*المحور الأول
يندر التعريف بالشهيد في المصادر الأساسية، وقد وردت بعض ملامح شخصيته في مصادر متأخرة دون ذكر المأخذ، ولهذا لا يمكنني الجزم بها فأكتفي بإيرادها.

من ذلك أن الشهيد "كان فارساً شجاعاً "(47) قارئاً بايع مسلماً وكان يأخذ البيعة للحسين عليه السلام من أهل الكوفة ."(48) اشترك في ذلك مع الشهيد حبيب بن مظاهر(49) وإنه " شاب كو في".(50)

و هي ملامح هامة - إذا صحت- إلا أن ملمح أنه شاب - وهو بعيد جداً- ليس بمستوى ما عداه.

* المحور الثاني
كان ظرف اعتقال الشهيد عبد الأعلى، على مشارف الإنهيار الكوفي، فقد استجاب الألوف لنداء الهجوم على قصر الإمارة، بقيادة الشهيد مسلم، ولم تمض ساعات حتى كان الشهيد وحيداً.

على أبواب هذا الإنهيار أمر ابن زياد عدداً من وجوه الكوفة الذين كانوا قد تحصنوا معه في القصر، أن يبادروا إلى النزول إلى الشارع في محاولة منه للبدء ببسط نفوذه الذي كان لا يتجاوز قصر الإمارة، والبدء بعملية تغيير ميزان القوى ميدانياً.

و المهمة التي حددها ابن زياد لهؤلاء، أن يرفعوا رايات أمان للناس ويخذلوهم عن مسلم.

و كان من بين من تولى تنفيذ أمر الطاغية، مع تفرده بأن يتجول في الكوفة، أحد أبرز قتلة سيد الشهداء "كثير بن شهاب" الذي كان يمني نفسه أن يكون شيخ مذحج بعد أن يتم القضاء على هاني بن عروة.

أثناء قيامه بمهمته، كان الشهيد عبد الأعلى متوجهاً ليلتحق بالجموع المحتشدة حول قصر الإمارة لإنقاذ الشهيد هانيء والسيطرة على القصر والكوفة.

لم يستطع الشهيد اللحاق بمن ظن أنهم سربه، بل وجد كثير بن شهاب وعدداً من جلاوزة الطاغية، فألقي القبض عليه.
يتحدث الطبري عن هذا الظرف فيقول:

" فضاق بعبيدالله ذرعه، وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلاً من الشرط، وعشرون رجلاً من أشراف الناس، وأهلُ بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذى يلى دار الروميين، وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يفتُرون(51) على عبيدالله وعلى أبيه، ودعا عبيدالله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثى، فأمره أن يخرج في من أطاعه من مذحج، فيسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان، وأمر محمد بن الاشعث أن يخرج في من أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلى، وشَبَث بن رِبعى التميمي، وحَجَّار بن أَبْجُر العجلى، وشمر بن ذى الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم، لقلة عدد من معه من الناس، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل. ( قال أبو مخنف ) فحدثني ابن جناب الكلبى أن كثيراً ألفى رجلا من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في "بني فتيان"(52) فأخذه حتى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره".(53)

كان الشهيد إذاً في طريقه إلى مسلم بن عقيل، ولا يُلتفت إلى ظاهر بعض النصوص المتأخرة التي تفيد أنه قد ألقي القبض عليه بعد تفرق الناس عن مسلم بما يوحي بأنه كان في عداد المتفرقين.(54)

و تجدر الإشارة إلى أن نص أبي مخنف المتميز أصلاً بين نصوص كربلاء، يكتسب في هذا المورد خصوصية إضافية، لأنه ينقل ما يرتبط بالشهيد عن أحد أفراد عشيرته، مما جعل النص حافلاً بالتفاصيل: اسم الشهيد، واسم الأب، ولبس السلاح، والهدف، والمنطقة التي اعتقل فيها، وتأتي تفاصيل أخرى في بقية النص.

و قد كان اعتقال الشهيد عبد الأعلى في يوم خروج الشهيد مسلم في الكوفة "يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة (سنة ستين) وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة".(55)

* الشهادة
وجد كثير بن شهاب في سلاح الشهيد ما يقربه إلى ابن زياد زلفى، فبادر إلى اعتقال الشهيد وأخذه بنفسه إلى ابن زياد.

ليس جلاوزة الطواغيت سواء، فمنهم من يحتفظ بهامش لشخصيته المهزوزة وإن تضاءل، ومنهم من تبلغ به الوضاعة غايتها، ومن هؤلاء كان كثير بن شهاب القاتل الحقيقي للشهيد عبد الأعلى.

و تسجل وقائع اليوم التالي لاعتقال الشهيد أن جلوازاً آخر من أدوات ابن زياد، قد بلغه أن المختار قد وقف - بعد الإنهيار الكوفي - في الساحة مكشوفاً في حال قتالية، فبادر إلى تغطية موقفه، وشهد عند ابن زياد أنه جاء ليلتحق به.

لم يكن ابن شهاب من هذا النوع من الجلاوزة، ولم يكتف بعد اعتقال الشهيد بإرساله مخفوراً إلى ابن زياد، فكيف يفوِّت على نفسه فرصة تملق سانحة " فأخذه حتى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره".

سرعان ما وجد الشهيد أن الدنيا غير الدنيا، وها هو في أسر من كان الجميع يظنون أنه أمام خيارين الهروب أو القتل.

و السلاح؟ الشاهد الإدانة! فماذا يفعل؟

"فقال لابن زياد إنما أردتك"

و هو تعبير ينبيء عن ورعٍ حتى في المنعطفات، إذ يحتمل معنى إرادته لنصرته، والمعنى الآخر.

" قال ابن زياد : وكنتَ وعدتني ذلك من نفسك"؟!!

إنه تندر الحانق المتوعد.

و لم يصدر الطاغية مباشرة أمراً بقتله " فأمر به فحبس".(56)

و لعل ذلك يرجع إلى أن ابن مرجانة كان لم يطمئن بعد إلى مسار الأمور ومآلها، فقد بقي مذعوراً حتى بعد أن خيم الظلام، وكان يظن أن مفاجأة تنتظره، وهو ما جعله يأمر بإشعال النار في القصب وتدليته إلى داخل المسجد ليطمئن إلى أن "الثوار" ليسوا بالمرصاد.!

ليلة واحدة قضاها الشهيد عبد الأعلى في "الحبس" لكنها تعدل كل العمر الذي أمضاه في سجن الدنيا.

إذا كنا نحن الآن بعد تطاول القرون وكرور الأعصار لا نستطيع أن نستوعب ما جرى في الكوفة، ولم نكن طرفاً فيها، وماذا لو كنا؟ فما هي حال الشهيد عبد الأعلى وسائر أقرانه الكربلائيين؟

ليلة التاسع من ذي الحجة، والى ما بعد ظهر اليوم التاسع كان الشهيد في السجن، وبعد شهادة مسلم وهانيء، وعندما أيقن الطاغية أن الكوفة في قبضته أمر بإحضار الشهيد.

" ثم إن عبيدالله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة، دعا بعبد الأعلى الكلبي الذى كان أخذه كثير بن شهاب في بنى فتيان، فأتي به فقال له: أخبرني بأمرك فقال أصلحك الله، خرجت لأنظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب، فقال له: فعليك وعليك من الأيمان المغلظة إن كان أخرجك إلا ما زعمت فأبى أن يحلف فقال عبيدالله: انطلقوا بهذا إلى جبانة {السبيع} فاضربوا عنقه بها، قال فانطلق به فضربت عنقه"(57)

لقد اشتاقت نفسك يا سيدي الجنة، إلا أنا معاشر المصلحيين لا نكاد نفقه لهذه المبدئية حديثاً.

"أصلحك الله" تحتمل الوجهين، وكذلك "خرجت لأنظر ما يصنع الناس" والذي يؤكد لنا هذا الدرس من الشهيد إباؤه أن يحلف.

و إذا انتفت هذه المبدئية تحت وطأة اعتماد التكتيك لما فيه المصلحة، فما هي ضمانة أن لا يصبح التكتيك الإستراتيجية؟!.

يمكن أن يقال: لم يكن الشهيد "أفقه من صاحبه" بل هو امرؤ "اشتاقت نفسه الجنة".

و لكن يمكن أيضاً القول: إن المنطق الكربلائي كله خارج لغة المصالح والمساومة، فليكن هذا فرع ذاك، وإلا فالكلام الكلام.

و يمكن القول: لغة لا تفقهها أيها القلب فأقصر من محاولات ادعاء الفهم، وتحدث بلغة كربلاء "ما حُمَّ نازل" وقارن بين حالتي الشهيد عبد الأعلى: إن حلف ولم يكن في عداد أصحاب سيد الشهداء، أو لم يحلف، فكان من الذين بذلوا مهجتهم دون الحسين.

و كم من خير تحرمه أيها القلب بادعاء الفقه والفهم، ووهم الوعي.

عبد الأعلى، يرى العليَّ الأعلى حاضراً ناظراً، وطالما أحب لقاءه، فأحب سبحانه هذا اللقاء.

ليهنك يا سيدي مقعد صدق عند مليك مقتدر.

و تلطف بعبد الأدنى الذي بعدت عليه الشقة، فمال إلى السفر القاصد والعرض القريب، فاستسهل الحلف والحنث، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

الفهارس


(1) نشر هذا الخبر في جريدة نداء الرافدين العراقية التي كانت تصدر في بيروت العدد277بتاريخ 6آذار 2003م حول الشاعر عبد الستار محمود، وإنه لم يستطع إنجاز ذلك إلا بعد أربعة أشهر كان خلالها كلما هم بالكتابة ينخرط في بكاء مرير ويغمى عليه فينقل إلى المستشفى،وبعد أن يتماثل للشفاء يكرر المحاولة فيغمى عليه ويدخل المستشفى مجدداً.
(2) إبن حجر، الإصابة 6/233 قال في ترجمة والد الشهيد قيس:" مسهر بن خالد بن جندب بن منقذ بن حر بن نكرة العبدي النكري ،له إدراك، و كان ابنه قيس مع الحسين بن علي لما قتل بالطف سنة ستين(كذا)".
(3) قال الزبيدي في تاج العروس 3/100" وجسر بن نكرة بن الصيدا من ولده قيس بن مسهر كان مع سيدنا الحسين رضى الله عنه ذكره البلاذرى" وفي معرض حديثه عن شخص اسمه "نكرة" قال في ج3/585" وأما الذى في بنى أسد فانه نكرة بن الصيدا بن عمرو بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد ومنهم قيس بن مسهر النكرى من شيعة الحسين بن على رضى الله عنهما". وقال الزركلي،الأعلام 8/47" نكرة بن الصيداء " نسبة إلى جده . بنوه بطن من بني " الصيداء " منهم قيس بن مسهر بن خليد : أرسله الحسين ( السبط ) إلى الكوفة ، فقبض عليه عبيدالله بن زياد وأمره بأن يلعن الحسين ، فلعن ابن زياد ، فألقاه هذا من فوق القصر ، فمات".
(4) انظر: السماوي(محمد بن الشيخ طاهر) إبصار العين/65(منشورات مكتبة بصيرتي،قم).قال:" قيس بن مسهر بن حالد بن جندب بن منقذ بن عمرو بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي الصيداوي، وصيدا بطن من أسد.
(5) قال الفيروز آبادي: "ومسهر كمحسن إسم". القاموس المحيط 2/54. و قال ابن حجر :" بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء".تقريب التهذيب 1/703 وفي المقابل قال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم 1/107" مسهر بضم الميم وكسرها" وقال ابن داود الحلي في رجاله: " مسهر ، بكسر الميم وفتح الهاء" ويندر في المصادر الحديث عن ضبط هذا الإسم،و ما ورد منه في الشعر ينسجم مع الإحتمالات السابقة إلا أنه لاينسجم مع مسهر بتشديد الهاء، من ذلك :"أترجوا الحياة يابن بشر بن مسهر" ابن منظور،لسان العرب 5/107.وقول آخر:" وأحمى عليها ابنا يزيد بن مسهر".البكري الأندلسي، معجم ما استعجم4/1207 والأرجح الأول على وزن منعم ومحسن.
(6) كانت أول رسالة إلى الإمام من أهل الكوفة مع عبدالله بن مسمع الهمداني وعبدالله بن وال، ثم حمل الشهيد قيس ومن معه المجموعة الأولى من رسائلهم. انظر:الطبري 4/261 ويبدو أن المصادر مجمعة على رسالة قبل المهمة الأولى للشهيد. انظر مثلاً: الشيخ المفيد، الإرشاد 37 وابن شهراشوب،المناقب 3/241 (باختلاف في اسمي الرسولين) والفتال النيسابوري، روضة الواعظين 172، وابن كثير،البداية والنهاية 8/162.
(7) الطبري 4/262
(8) الشيخ المفيد،الإرشاد2/ 38 ومثله في روضة الواعظين 172و في المناقب 3/241"من الرجل والإثنين".
(9) انظر:الطبري، والشيخ المفيد، وابن كثير، وابن شهراشوب، والفتال النيسابوري. في الموارد المذكورة أعلاه.
(10) نفس المصادر.
(11) المسعودي، مروج الذهب (م.م) ج3/54.
(12) الطبري 4/263.
(13) انظر : كمره إي(ميرزا خليل) عنصر شجاعت يا فداكاري هفتاد ودو تن (م.م، فارسي) الجزء الخاص ب"مسلم بن عقيل وأسرار العاصمة العاصفة"القسم الثاني" مسلم بعد العبور من المدينة/396-397. وقد تقدم مزيد إيضاح في ترجمة الشهيد مسلم، وانظر الملحق الخاص بتحديد منطقة "المضيق" في آخر الكتاب.
(14) الطبري 4/263. والصحيح هو بطن الخبت انظر:الحموي، معجم البلدان 2/343" علم لصحراء بين مكة والمدينة يقال له خبت الجميش"و قد تقدم بيانه في ترجمة الشهيد مسلم، وانظر الملحق في آخر الكتاب.
(15) ذكر ميرز خليل كمره إي ، أن المسافة بين بطن الخبت ومكة ثمانون فرسخاً أو أكثر.انظر: عنصر شجاعت يافداكاري هفتاد ودو تن ويك تن1/119.
(16) الدينوري،الأخبار الطوال 230.
(17) المسعودي، مروج الذهب 3/54.
(18) الطبري 4/297.
(19) الشيخ ابن نما، مثير الأحزان 22. ولم يذكر الطبري نقلاً عن أبي مخنف الشهيد قيساً بل اكتفى – في ماوجدت – بأن الذي حمل الرسالة الشهيد عابس. الطبري 4/ 281و قد نقل الشيخ السماوي في إبصار العين 75 عن الطبري مايشعر بأن فيه قوله: وأرسل الكتاب مع عابس فصحبه شوذب مولاه" ولم أجد ذلك في الطبري ومن المعلوم أن شوذب مولى شاكر قبيلة عابس وليس مولاه، كمانقل ص76 عن أبي مخنف أن شوذباً صحب عابساً إلى مكة وبقي معه حتى جاء إلى كربلاء، ولم أجد ذلك في نسخة أبي مخنف المدونة ممافي الطبري، ولعله اطلع على نسخة أخرى، ويبدو أن الكمره إي في عنصر شجاعت ج1/120اعتمد ماأورده الشيخ السماوي فقال إن عابساً وشوذباً بقيا في مكة، و على أي حال فلاوضوح في توجه الشهيد عابس فضلاً عن الشهيد شوذب إلى مكة، والراجح أن الذي حمل الرسالة هو الشهيد قيس وحده، خصوصاً أنا نجد الحديث عن التحاق الشهيد عابس بالإمام في كربلاء انظر:هامش مقتل أبي مخنف،ت:الغفاري/144.
(20) قال الحموي: "الوادي الذي في بلاد بني تميم ببادية البصرة في أرض بني سعد يسمونه الدهناء ، يمر في بلاد بني أسد فيسمونه منعج ثم في غطفان، فيسمونه الرمة ، وهو بطن الرمة الذي في طريق فيد إلى المدينة، وهو وادي الحاجر".معجم البلدان 2/493.والرمة بضم أوله وتشديد ثانيه وقد يخفف.المصدر 3/71. و فيه: "الرمة أكبر واد بنجد، و"الرمة" فضاء تدفع فيه أودية كثيرة" و"بطن الرمة واد عظيم". مما يوضح أن إحدى محطات هذا الوادي العظيم تسمى الحاجر.
(21) انظر: كمره إي، عنصر شجاعت (م.م) ج1/120.
(22) الدينوري، الأخبار الطوال 245.
(23) الطبري 4/297
(24) السيد الأمين، لواعج الأشجان93 الهامش. وانظر: إبن أعثم، الفتوح5/81- 82
(25) المصدر
(26) نفس المصدر 302
(27) الدينوري، الأخبار الطوال 243. ويذكر في مكان آخر248"توطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب " .
(28) الطبري 4/295
(29) نصوص الطبري حول الحصين مضطربة ففي حين تؤكد أنه صاحب الشرطة، تعطي هذه الصفة أحياناُ للحصين بن تميم، وليس ذلك تصحيفاًبدليل أنه يصرح بأنه من تميم، والمفترض أن ابن نمير سكوني كندي.انظر:الطبري 4/297.
(30) انظر: الحموي، معجم البلدان 5/18في تحديد المسافة بين المنازل من البصرة إلى القادسية (140ميلاً)، و5/285 في تحديد تقريبي للمسافة بين القادسية والنسوخ (بضعة عشر ميلاً) و2/379 في تحديد المسافة بين النسوخ وخفان (ثلاثة أميال).
(31) الطبري 4/297
(32) الشيخ ابن نما، مثير الأحزان30
(33) الأحمدي، مواقف الشيعة 2/192 نقلاً عن فتوح أعثم 5/146-147 وانظر: الفتوح5/82/83
(34) الخوارزمي، مقتل الحسين335-336
(35) الشيخ المفيد، الإرشاد 2/71
(36) نفس المصدر.
(37) الشيخ ابن نما، مثيرالأحزان 30والسيد ابن طاوس، اللهوف46-47.
(38) الشيخ المفيد، الإرشاد2/71.
(39) الطبري 4/297
(40) الخوارزمي، مقتل الحسين 336 وابن أعثم، الفتوح5/82-83.
(41) الطبري 4/305
(42) السماوي، إبصار العين64
(43) الطبري 4/276
(44) المصدر284
(45) في لسان العرب 1/727" وكلب و بنو كلب وبنو أكلب وبنو كلبة كلها قبائل، وكلب حي من قضاعة.
(46) فرسان الهيجاء(فارسي) الشيخ ذبيح الله محلاتي 1/230(ط:2: 1390 هج، مركز نشر كتاب، طهران).
(47) السماوي، إبصار العين 108
(48) المامقاني، تنقيح المقال 2/133 الرقم 3264
(49) فرسان الهيجاء، محلاتي1/230 نقلاً عن ذخيرة الدارين، عن الحدائق الوردية، ولم أجد ذكراً للشهيد في الحدائق الوردية في الفصل المخصص لأحداث شهادة الإمام الحسين عليه السلام. وقد أورد مضمون هذا النص الكمره إي ولم يذكر المصدر.انظر عنصر شجاعت ج4 الخاص بالشهيد مسلم، القسم الثاني 679.
(50) الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أنصار الحسين 122
(51) تقدم توضيح الإضطراب في النص عند استعراض حصار القصر.
(52) اسم محلة في الكوفة باسم قبيلة .قال السيوطي:الفتيانى بالكسر وسكون الفوقية وفتح التحتية الى فتيان بطن من بجيلة"لب اللباب في تحرير الأنساب 193." وهم بنو فتيان بن معاوية بن زيد بن الغوث.نزلواالكوفة. (د.عمر كحالة،معجم قبائل العرب 3/908 وانظر: السمعاني،الأنساب 4/346" فتيان بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن غوث بن أنمار ".
(53) الطبري4/276
(54) انظر :السماوي، إبصار العين 108 وفيه قوله:" خرج مع مسلم بن عقيل في من خرج ، فلما تخاذل الناس عن مسلم قبض عليه كثير بن شهاب.
(55) المسعودي، مروج الذهب 3/58.
(56) الطبري 4/276
(57) المصدر/284