أجزاء الفصل الثالث (1) (2) (3)

 

من هو كثير بن شهاب؟

* من هو كثير بن شهاب؟(1)
يرجع نسبه إلى الحارث بن كعب.

ويحدث ابن قتيبة في المعارف أن قومه كانوا قبل الإسلام معروفين باعتناقهم اليهودية.

ارتدّ جده حصين عن الإسلام، فقُتل.

وثأر أبوه شهاب، لجده، فقتل قاتله.

ولم يكن هو خيراً من أبيه وجده، رغم أنه ربما كان من الصحابة.

فقد عُرف بين الناس بشدة عدائه لأهل البيت، وتهالكه في التحريض ضد الإمام الحسين.

ومن قبلُ كان أحد اثنين تولّيا الإشراف على اقتياد الشهيد حجر ومن معه إلى الشام مكبلين، وحملا شهادة الزور ضدهم، وكان كثير من شهودها.

إنه القاتل كثير بن شهاب بن حصين الحارثي المذحجي.

شارك في حروب القادسية، وولي الري، وخراسان. وكان يُكثر سب عليّ على منبر الري!

يحدّث عن عليّ عليه السلام أن السماء والأرض ستبكيان الحسين، ورغم ذلك فقد بذل قصارى جهده لقتل الحسين.

كبت به بطنته، فسقط على أعتاب الطواغيت، بحثاً عن المال الحرام والجاه الذي تفوح منه رائحة الغدر، ونكران الجميل.

كان شديد البخل، وقد دخل في صراع هشم وجهه من أجل سلب قتيل (أي سلاحه وثيابه وفرسه).

سرق مال خراسان عندما كان والياً عليها في زمن معاوية، ولاذ بالشهيد هانيء بن عروة، وهما معاً مَذحِجيان، فحماه ابن عروة من بطش معاوية، فأهدر معاوية دم هانيء، ومع ذلك بقي مصراً على إجارته.

وما ظنك بسارق مالٍ وممن؟ من معاوية!!

وما ظنك بمتهالك على زعامة على أنقاض من أجاره وعرّض نفسه للقتل بسببه، رغم أن هذا المجير ربما يكون قد سمعه وهو يخطب من على شرفة القصر!

لقد رأى كثير بن شهاب أن الجاه والمال لا يأتيانه إلا على أشلاء هانيء، فاغتنم الفرصة مشمّراً عن ساعد الجد في نصرة الطاغية ابن زياد، حتى لا تجد في الكوفيين من يشبهه حماساً في التخذيل وطاعة الأمير ابن مرجانة، وأمير من هم على شاكلته، يزيد بن معاوية.

وكم كانت "سعادته!" حين رأى ابن زياد يتعامل معه باعتباره شيخ مذحج!

لم يكن مستعداً لخيانة هانيء وحده ولا استمرأ التسلق على تهشيم وجهه وعظامه وجرِّه في الأسواق فحسب، بل كان على أتم استعداد لحرب الإمام الحسين عليه السلام رغم ماتقدم من روايته حول مقتله عليه السلام.

" روى البلاذري في أنساب الاشراف " لما سرح ابن زياد عمر بن سعد، أمر الناس فعسكروا بالنخيلة، وأمر أن لا يتخلف أحد منهم، وصعد المنبر فقرض معاوية وذكر إحسانه وادراره الأعطيات وعنايته بأهل الثغور، وذكر اجتماع الألفة به وعلى يده، وقال : إن يزيد ابنه المتقيل له السالك لمناهجه المحتذي لمثاله، وقد زادكم مائة مائة في أعطيتكم، فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي، فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة. ثم خرج ابن زياد فعسكر وبعث إلى الحصين بن تميم وكان بالقادسية في أربعة آلاف، فقدم النخيلة في جميع من معه. ثم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي ومحمد بن الأشعث بن قيس والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمان المنقري وأسماء بن خارجة الفزاري وقال : طوفوا في الناس فمروهم بالطاعة والإستقامة، وخوفوهم عواقب الامور والفتنة والمعصية، وحثوهم على العسكرة فخرجوا فعزروا(كذا) وداروا بالكوفة. ثم لحقوا به غير كثير بن شهاب!! فإنه كان مبالغاً يدور بالكوفة يأمر الناس بالجماعة، ويحذرهم الفتنة والفرقة ويخذل عن الحسين ! ! !".(2)

***

1- والنقطة الثانية - بعد معرفة ماكان يمثله هانيء، والإحاطة بمفاصل أخطبوط الثورة المضادة  - التي يتوقف عليها فهم نصوص مرحلة حصار القصر هي الإجابة على أسئلة مركزية:
  لماذا لم يقتحم الشهيد مسلم القصر؟
ولماذا لم يحكم الحصار على القصر؟
 وما حكاية باب الروميين؟
وما هي أبعاد التخويف بجيوش الشام؟

وهو ما تمس الحاجة إلى مقاربته، خاصة وأن غالب ما كتب حول حركة الشهيد مسلم في الكوفة لم يول هذه النقاط ما تستحقه من عناية رغم مفصليتها في تقدير الموقف وفك رموز الأحداث التي رافقت حصار القصر.

* لماذا لم يتم اقتحام القصر؟
وتستدعي الإجابة على هذا السؤال، إيضاح أن "قصر الإمارة" كان عبارة عن قلعة حصينة جداً لا يمكن اجتياحها، كما يصعب جداً المنع من التسلل منها وإليها حتى مع توفر الأعداد الكبيرة من المقاتلين، كما سيتضح بجلاء.

وحديث القصر طويل، إلا أن ما يكفي منه لتكوين صورة دقيقة عما جرى، دون أن تخرجنا من السياق، هو ملاحظة ما يلي:
أ‌- كتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص عندما بنى القصر: " بلغني أنك بنيت قصراً اتخذته حصنا ".
(3)

ب‌- كان لهذا الحصن سور خارجي " من أربعة جدران يبلغ طولها تقريبا 170× 170متراً ومعدل سمكها أربعة أمتار، وتدعم كل ضلع من الخارج ستة أبراج نصف دائرية باستثناء الضلع الشمالي حيث يدعمه برجان فقط، وتنتهي الأركان الثلاثة الشمالي والجنوبي الشرقي والغربي بثلاثة أبراج ماعدا الركن الشمالي الغربي فإنه يتصل بسور المسجد، ويمكن أن نحدد قياس هذه الأبراج بثلاثة أمتار وستين سنتيمتراً، أما المسافات بين كل برج وبرج فكانت- ماعدا اثنين- أربعة وعشرين متراً وستين سنتيمتراً، ويبدو أن ارتفاع هذا السور بأبراجه كان يصل إلى ما يقرب من عشرين متراً.(4)

ت‌- كان الجيش الجرار يحاصر " قصر الإمارة" فيضطر أن يقف حوله منتظراً نفاد المؤن في داخله واضطرار المحاصرين للإستسلام، ومن ذلك ماكان من حصار المختار لابن مطيع في هذا القصر، حيث "مكث ثلاثاً يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق ومعه أشراف الناس ".." وولي حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر، ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفة وسكة دار الروميين، وأحمر بن شميط مما يلي دار عمارة ودار أبي موسى، فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الأشراف".(5) ف "قال شبث الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أماناً ولنا وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك. قال ابن مطيع: والله إنى لأكره أن آخذ منه أمانا ".." قال فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلاً بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك ".(6)

وهذا ما حصل بالفعل فقد خرج ابن مطيع " من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبى موسى وخلى القصر وفتح أصحابه الباب فقالوا يا ابن الأشتر: آمنون نحن قال: أنتم آمنون فخرجوا فبايعوا المختار ".(7)

ويلاحظ هنا تواصل الحصار ثلاثة أيام رغم شدة شوكة المختار، كما يلاحظ أن الحديث عن التسلل من القصر طبيعي - ويأتي تأكيد له - وأنه قد تم من قبل باب الروميين، رغم أن قائداً مع قواته كان مقيماً على الحصار من جهة باب الروميين.

وتزداد الصورة وضوحاً إذا عرفنا أن عديد الجيش مع المختار كان يقارب العشرة آلاف كما يدل عليه التصريح بتوزيع المختار المال على من شارك في الحصار: وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل، كل رجل خمسمائة درهم. وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين".(8)

فالمجموع إذاً تسعة آلاف وثمانمائة مقاتل، ولم يمكنهم اقتحام القصر.

ونجد تفاصيل هامة تلقي بالمزيد من الضوء على ما نحن بصدده في قصة محاصرة مصعب بن الزبير للمختار "وقد كان حصَّن قصره والمسجد وأدخل في قصره عدة الحصار وجاء المصعب يسير إليه".(9) " ثم مضى حتى نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة ".(10) وظل مصعب وجيشه الجرار يضربون حصارهم ويضطرون أحياناً إلى مطاردة " السقاء والسقاءَيْن فيضربون وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد".(11) كما أن هذا الجيش كان قد يضطر إلى مطاردة النساء اللواتي كن يأتين إلى أزواجهن المحاصرين بالطعام "فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء قد التحفت عليه فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه فقال له المهلب وكان مجرباً إجعل عليهم دروباً حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم وأبنائهم وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغير طعمه فيشربوا منه فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم".(12) "ثم إن مصعباً أمر أصحابه فاقتربوا من القصر".(13) ولم يغير ذلك من طبيعة الحال شيئاً، بل إن المختار اغتنم فرصة مناسبة فخرج من القصر في مائتي رجل وشن غارة عليهم ثم عاد أدراجه وتحصن بالقصر، فلم يستطيعوا اقتحامه خلفه، وكان مع المختار في القصر أكثر من ستة آلاف رجل.(14) وقد استمر هذا الحصار أربعين يوماَ(15) وفي رواية أوردها الطبري، أربعة أشهر.(16)

ومن شأن هذه التفاصيل أن تضعنا أمام حقيقة أن مصلحة حركة الشهيد مسلم كانت ترتكز إلى مدى تماسك جبهته وقدرتها على الصمود في محاصرة القصر، وقد كشفت التطورات أنها كانت ذات تركيبة هشة فلم تستطع أن تصمد ولو يوماً واحداً.

* لماذا لم يحكم الحصار على القصر؟
كما أن من شأن التفاصيل المتقدمة أن تضعنا في جو التعسر الشديد لإحكام الحصار على القصر، فابن مطيع خرج منه ومضى لسبيله، والسقاؤون كانوا يوصلون الماء إلى من هم في داخل القصر، والنساء كن يوصلن الطعام لأزواجهن في الحصار الثاني، كما أن المختار كان يخرج ليحارب ثم يعود إلى التحصن في القصر وقد تكرر ذلك منه مراراً.

ومن هذه الثغرة الطبيعية نفذ شيوخ العشائر و"الأشراف" الذين التحقوا بابن زياد في القصر، أو الذين تكرر خروجهم ورجوعهم، مع ملاحظة عاملين آخرين:
الأول: الحس القبلي الذي كان يعطي شيخ العشيرة حصانة خاصة في مثل ذلك الظرف، ولا سيما للمذحجي في مأزق يواجه مذحجاً بالدرجة الأولى.
الثاني: معرفة ما كان يمثله "دار الروميين" فقد لعب دوراً مهماً كما لاحظت في نصوص الدخول إلى القصر والخروج منه، وهذا تذكير بذلك:
1- تمكن بعض "الأشراف" مبكراً من الوصول إلى القصر في بداية الحصار من جهة هذا الباب نفسه "وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين ".
(17)
2- لئن لم يورد الطبري الجهة التي خرج منها شيوخ العشائر ليرفعوا راية الأمان، فإن في بعض المصادر المعتبرة تحديد الجهة التي خرج منها هؤلاء وهي "باب الروميين" : " فبعث عبيد الله، كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الاشعث الكندي، من باب الروميين براية الأمان لمن جاءها من الناس، فرجع الرؤساء إليها فدخلوا القصر ".
(18)
3- كما أن محمد بن الأشعث حين وجه إليه الشهيد مسلم من يواجهه اضطر إلى التراجع
" فتأخر عن موقفه فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين ".
(19)

* وما حكاية "باب الروميين"؟
والحصيلة التي يمكن الخروج بها من ملاحظة المصادر حول دار الروميين هي كما يلي:
1- أن المراد بدار الروميين، الذي يعبر عنها أحياناً بسكة دار الروميين
(20) هو محلة النصارى و حيهم، وهو ما يدل عليه الحديث عن منطقة في بغداد كان يطلق عليها نفس الإسم " دار الروميين" بأنها كانت يباع فيها الطعام وتضم حانة خمار، وكان يقصدها غير المتدينين من المسلمين.(21) فهي إذاً محلة.

جاء في لسان العرب: " وأما الدار فإسم جامع للعرصة والبناء والمحلة. وكل موضع حل به قوم، فهو دارهم ".(22)

ويورد البلاذري ما يدل على سعة مساحة ما كان يعرف بهذا الإسم في حديثه عنها ولكن في مرحلة تالية - في زمن يزيد بن عبد الملك - فيقول:

" وكانت دار الروميين مزبلة لأهل الكوفة تطرح فيها القمامات والكساحات، حتى استقطعها عنبسة بن سعيد بن العاصي من يزيد بن عبد الملك، فأقطعه إياها، فنقل ترابها بمائة ألف وخمسين ألف درهم ".(23)

2- أن هذه المحلة كانت ملاصقة للقصر ويؤكد ذلك بالإضافة إلى الدلالة العامة للنصوص، ما رواه أبو الفرج الأصفهاني حول أنّ أم خالد بن عبد الله القسري كانت " رومية نصرانية، فبنى لها كنيسة قبلة المسجد الجامع بالكوفة، فكان إذا أراد المؤذّن في المسجد أن يؤذّن ضُرب لها بالناقوس، وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءاتهم".(24)

وهؤلاء النصارى الذين يتحدث عنهم أبو الفرج، ينبغي أن يكونوا سكان " دار الروميين" الذين كان باب القصر المعروف بهذا الإسم، يفضي إلى محلتهم، وهم حلفاء طبيعيون للأمويين وبينهما من أواصر التجانس والمصاهرة، ووحدة الهدف الكثيرالكثير، وقد سبقت لمحة عن ذلك في الحديث عن سرجون صاحب " مشروع" ابن زياد والياً على الكوفة، يضاف إلى ذلك أن طبيعة العلاقة بين أقلية من هذا النوع تنتمي إلى غير الدين السائد مع حاكم من هذا النوع ينتمي إلى غير الجو العام، تقوي مشاعر التنسيق والتعاون انطلاقاً من القناعة بوحدة المصير، مما يجعل احتمال وجود طريق سرية بين القصر وبين دار الروميين احتمالاً وجيهاً.

* وما هي أبعاد التخويف بجيوش الشام؟
تقدم أن ابن زياد عندما دفع "الوجهاء" النفعيين إلى مخاطبة الناس من أعلى القصر، أدرج في تحديد مهمتهم قوله: "وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم".

وهو بند متفق عليه في المصادر، ومنها:
"فوجه محمد بن الأشعث بن قيس وكثير بن شهاب الحارثي وعدة من الوجوه ليخذلوا الناس عن مسلم بن عقيل والحسين بن علي، ويتوعدوهم بيزيد بن معاوية وخيول أهل الشام وبمنع الأعطية وأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب فتفرق أصحاب ابن عقيل عنه".
(25)

وقد نفذ "الأشراف" المهمة بحذافيرها ومنها هذا البند، فلم يتكلم أي منهم دون أن يوليه عناية خاصة "فأشرف كثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، فتنادوا : يا أهل الكوفة، إتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم. فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور. وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي إبنه، وأخاه، وابن عمه فيقول : إنصرف، فإن الناس يكفونك . وتجئ المرأة إلى إبنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع".(26)

ولا وجود لأي خبر عن تحرك جيش من الشام، أو التفكير بذلك، فلم يكن ذلك إلا اختلاقاً في سياق حرب نفسية أراد الطاغية أن يضرب به على وتر كوفي حساس، وقد نسج القوم على منواله، فهذا كثير بن شهاب كما تقدم يقول: " أيها الناس إلحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أتممتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم، أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام ".

ولئن كان بعضهم قد تحدث بلغة " ولا توردوا على أنفسكم خيول أهل الشام" والبعض الآخر عن "فصول جيوش الشام" فإن كلام كثير، بلغة " قد أقبلت" وهو يوحي بقرب وصولها.

والسؤال: لماذا التخويف بجيوش أهل الشام وما هي خلفيات ذلك وأبعاده؟
ولا يصح إطلاقاً تغييب هذه النقطة في أي قراءة لما جرى بجوار قصر الإمارة ومن على شرفاته، فقد كان لها في العمق الأثر البليغ في تفرق الناس عن مسلم بن عقيل، لأن تخويف العراقيين بأهل الشام أوقع الجرح على الجرح، وجعلهم ينفرون سراعاً من الساحات والشوارع ليخنسوا في بيوتهم.

وهي حقيقة مرة، إلا أنها الحقيقة فلا مناص من الإعتراف بها.

كانت الكوفة المجاهدة سيف الإسلام ورمحه، ثم صارت النموذج الأول للتخاذل والقعود، ولم تتحقق هذه النقلة فجأة بل ضمن مسار تنازلي، كانت صفين آخر حلقاته، ويكفي لتوكيد ذلك أن كل ماروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في عدم استجابة أهل الكوفة لندائه بالجهاد إنما كان بعد صفين التي شكلت مفصلاً بارزاً بين مرحلتين من تاريخ الكوفة.

كان أهل الكوفة يعيشون الرعب الشامي بلا حدود، لا لأن أهل الشام أشد بأساً وأصلب عوداً، وقد شهدت ساحات صفين من بطولات العراقيين ما لا يخطر بالبال(27) حتى كاد معاوية أن يركب فرسه ويولي هارباً، بل لأن قرار الكوفيين بترك الجهاد قد اكتمل على أوسع نطاق، في صفين، والجهاد هو: " لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة فمن ترك الجهاد في الله ألبسه الله ثوب ذلة وشمله البلاء وضرب على قلبه بالشبهات وديث بالصغار والقماءة ".(28)

وكان قرار الكوفيين بترك الجهاد والرغبة عنه يعتمل في النفوس من فرط معاقرة حبها، وتتسع رقعته فيهم، إلا أنه لم يتبلور إلا تحت وطأة سيوف أهل الشام، لا خوفاً من أهل الشام في الواقع بل حباً بالدنيا، مقنعاً بسيوف أهل الشام إلى حد التلقين الذي يستتبع اليقين.

لقد تعاظم حب الدنيا والإنشغال بها والركون إليها منذ مرحلة الأخواص من القصب ينقضها المجاهد إذا انتدب لمهمة ثم يبني غيرها إذا رجع، مروراً بالبيوت المجصصة ورنين الفضة والذهب، والجوائز الخطيرة، والإقطاعات بلا حساب، وشراء القيان والإماء والجواري والغلمان، وصولاً إلى بهارج الإمارة والولاية وسائر مفردات السلطة، وهو ماجعلهم يترنحون من فرط معاقرة حب الدنيا.

وليست الضربة على رأس المترنح مثلها على الثابت كالطود.

ولم تُصب الكوفة المترنحة في سكر حب الدنيا ومعاقرة ملذاتها، بمثل تلك الضربة الشامية القاتلة في صفين.

ولا يستوي المجاهد والقاعد في فتك حب الدنيا بالقلب، بل لايستوي السابق في ميادين الجهاد مع المجاهد الإعتيادي.

وبمقدار السابقة المتميزة في الجهاد، وبلا منازع، كان فتك حب الدنيا بالكوفيين وبلا منازع.

خرج أهل الكوفة بل أهل الدنيا - في الغالب- ليحاربوا دنياهم!

ولم يكن حجل الذي اكتشف أنه يبارز ابنه" أثال" كما اكتشفه ابنه، يتكلم إلا بلغة الأكثرية من العراقيين والشاميين، حين قال لابنه: أي ْ أثال، هلمَّ إلى الدنيا! ولم يكن "أثال" يتكلم إلا بلغة الأقلية العراقية، حين أجاب أباه: يا أبه هلمَّ إلى الآخرة.(29)

كان جيش علي عليه السلام في حدود المائة وخمسين ألفاً(30) ولو كان أهل البصائر بينهم الربع لكانوا أقلية وكانت بعدُ آخذة بالتناقص، ولم يبق منها في أيام كربلاء إلا ثمالة الكأس.

وكان حضور المال في قلوب أهل العراق - ما خلا الصفوة - كحضوره في قلوب أهل الشام الذين كانوا أحياناً يشترطون المبلغ قبل خوض المعركة(31) وذات مرة كان المبلغ المشترط كبيراًً، إلى حد أنه " لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه، حتى فشا ذلك في الناس، وبلغ ذلك عليا فساءه".(32)

ولقد مضى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يتجرع غصص استنفار الكوفيين إلى الحرب - بعد صفين- فلا يواجهون دعوته إلا بالقعود والمراوغة حتى قال عليه صلوات الرحمن:
" قد ندبتكم إلى جهاد عدوكم في الصيف فقلتم : هذه حمارة القيظ ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، فكل هذا فراراً من الحر والصر [ فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون] فأنتم والله من حر السيوف أفر، لا والذي نفس ابن أبي طالب بيده.عن السيف تحيدون فحتى متى ؟ ! وإلى متى ؟ ! يا أشباه الرجال ولارجال، ويا طغام الأحلام، أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، ألله يعلم لقد سئمت الحياة بين أظهركم، ولوددت أن الله يقبضني إلى رحمته من بينكم، وليتني لم أركم ولم أعرفكم، معرفةٌ والله جرت ندماً، وأعقبت سدماً، أوغرتم - يعلم الله - صدري غيظاً، وجرعتموني جرع التهمام أنفاساً".
(33)

تلك هي حقيقة خوف الكوفيين من أهل الشام. إنها في جوهرها فرار من الزحف، ورغبة عن الجهاد استتبعت شمول الذل والتمرغ بالصغار والمهانة، وأي مهانة فوق أن يهدَّدوا بفصول جيوش الشام، أو اقتراب وصولها، أو مجرد احتمال مجيئها، فلا يبقى مع مسلم بن عقيل منهم "إنسان"؟! هذا وشيخ المصر هانيء كان مايزال في الأسر، ولمسلم في أعناقهم حق الجوار، والبيعة!

كانت الكوفة ذات يوم تعيش قيم الجهاد والشهادة، ولكن الكوفة في عهد مسلم غير الكوفة بالأمس، فقد شاخت الروح في شبابها قبل الشِّيب، فاستبدلت بالآخرة الدنيا وبالجهاد القعود، ومن المفارقات أن ذلك قد جرى في ساحة الجهاد في صفين.

هكذا.. وبين عشية وضحاها، وبعد أن كان مسلم بن عقيل مركز الثقل السياسي والعسكري في الكوفة، ظهر الإيمان الكوفي على حقيقته وإذا بكل هذه الإدعاءات العريضة تتهاوى وينكشف زيفها، ليتضح بما لا مزيد عليه أن أهلها لم يكونوا شيعة أهل البيت عليهم السلام. بل كانوا شيعة آل أبي سفيان كما أخبر الإمام الحسين عليه السلام.

وهكذا تفرّق الناس عن مسلم رضوان الله عليه، وذهب الكوفيون بعارٍ وشنارٍ لا يغسلان أبد الآبدين، حيث أسسوا بتخاذلهم الرهيب هذا لقتل سيد الشهداء.

ولا مبالغة أبداً إذا أعتبر كل متخاذل في الكوفة، قاعدٍ عن نصرة مسلم في عداد قتلة الحسين عليه السلام.

الفهارس


(1) أوردت ترجمته الوافية في الجزء الخاص ب" القتلة" . مخطوط. وما ذكر هنا مقتطفات منها.
(2) السيد مرتضى العسكري، معالم المدرستين3/81-82.
(3) الطبري3/151.
(4) الدكتور كاظم الجنابي، تخطيط مدينة الكوفة 138-139 بتصرف.(عن المصادر التاريخية والأثرية، خاصة في العصر الأموي) (ط:أولى،مطابع دار الجمهورية، بغداد1386هـ1967م)
(5) الطبري4/506.
(6) المصدر506-507.
(7) المصدر.
(8) الطبري4/508-509.
(9) الطبري4/562.
(10) المصدر 567.
(11) المصدر568.
(12) المصدر.
(13) المصدر.
(14) أنظر: المصدر569.
(15) الدينوري، الأخبار الطوال307.
(16) الطبري4/576.
(17) الطبري4/276.والشيخ المفيد،الإرشاد2/52.
(18) إبن شهراشوب، المناقب3/243. والطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى1/441.
(19) المصدران. مع فارق في عبارة الشيخ لايضر بالمعنى العام.
(20) كما تقدم في وصف الطبري لحصار المختار لابن مطيع. أنظر: الطبري4/506.
(21) الحسين بن حمدان الخصيبي، الهداية الكبرى331.
(22) إبن منظور، لسان العرب4/298.
(23) البلاذري، فتوح البلدان2/344.
(24) رضي الدين الأستراباذي، شرح شافية إبن الحاجب4/293 نقلاً عن أبي الفرج في الأغاني. وانظر:عبد المعين الملوحي، الحب بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي32. تلخيص: د. محمد عبد الرحمن يونس على موقع: www.ofouq.com (م.م).
(25) البلاذري، أنساب الأشراف80.
(26) الدينوري، الأخبار الطوال239.
(27) في إحدى أبرز جولات صفين بين " همدان" من العراق، و"عك" من الشام قال عمرو بن العاص لمعاوية: لقد لقيتْ أسدٌ أسداً، لم أر كاليوم قط ، لو أن معك حياً كعِكّ ، أو مع علي حياً كهمدان لكان الفناء. نصر بن مزاحم، وقعة صفين434. وانظر: 270-271.
(28) إبراهيم بن محمد الثقفي، الغارات2/474. من رواية لخطبة الجهاد مختلفة عما في النهج.
(29) أورد نصر بن مزاحم المنقري في بعض حوادث صفين، مانصه: وكانوا قد ثقلوا عن البراز حين عضتهم الحرب، فقال الأشتر : يا أهل العراق ، أما من رجل يشرى نفسه[ لله ]؟ ! فخرج أثال بن حجل فنادى بين العسكرين : هل من مبارز؟ فدعا معاوية حجلاً فقال : دونك الرجل. وكانا مستبصرين في رأيهما، فبرز كل واحد منهما إلى صاحبه فبدره الشيخ بطعنة فطعنه الغلام ، وانتمى فإذا هو ابنه ، فنزلا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال له الأب : أي أثال، هلمّ إلى الدنيا. فقال له الغلام : يا أبه، هلمّ إلى الآخرة، والله : يا أبه، لو كان من رأيى الإنصراف إلى أهل الشام لوجب عليك أن يكون من رأيك لى أن تنهاني. واسوأتاه ، فماذا أقول لعلي وللمؤمنين الصالحين؟ ! كن على ما أنت عليه، وأنا أكون على ما أنا عليه. وانصرف حجل إلى أهل الشام، وانصرف أثال إلى أهل العراق، فخبر كل واحد منهما أصحابه. وقال في ذلك حجل:
أن حـجـل بـن عـامـر وأثـالاً                   أصـبحـا يـضربان في الأمثال
أقـبـل الفارس الـمدجج فـي النق‍ع                  أثـال يـدعو يـريـد نـزالــي
دون أهل الـعراق يخـطر كالفح‍ل                 عـلـى ظـهـر هـيـكـل ذيـال
فدعـاني لـه ابن هـنـد ومـا زال                 قليلاً في صحبـه أمـثــــالـي
فتناولتــه ببادرة الرمـــــ‍ح                   وأهـــوى بأسمـر عـســــال
فـاطـعنـّا وذاك مـن حدث الدهر                  عـظـيـم ، فـتـى لـشـيخ بجال
شاجراً بالقناة صـدر أبـيــــه                  وعظيــــم علـيّ طـعـن أثـال
لا أبـالـى حـين اعترضت أثالا                   وأثـال كـذاك لـيـس يـبـالــي
فـافـترقـنـا على السلامة والنف‍س                 يقيــــــها مـؤخـر الآجــال
لا يـرانـي علـى الـهـدى وأراه                 من هداي عـلـى سـبـيـل ضـلال
فلما انتهى شعره إلى أهل العراق قال أثال، وكان مجتهداً مستبصراً:
إن طعني وسط العـجـاجة حـجـلاً              لـم يـكـن فـي الـذي نويت عـقـوقـا
كـنـت أرجـو به الـثواب مـن الل‍ه             وكـونـــــي مع الـنبي رفيقــــا
لم أزل أنـصر العـــــراق على              الـشـام أرانـي بـفـعـل ذاك حقيــقا
قال أهـل العراق إذ عظم الـخطـب              ونـق الــمـبــارزون نــقــيـقـا
من فـتى يأخذ الطريـــق إلى الل‍ه               فـكـنـت الـذي أخـذت الـطـريــقـا
حـاسر الـرأس لا أريـد ســوى               الموت أرى كـل مـا يـرون دقـيــقـا
فإذا فـارس تقـحـم في النـقــ‍ع               خـدبـاً مثــل السـحـوق عتيـــــقا
فبداني حجل بـبــادرة الطــعـ‍ن              ومـا كـنــت قبـــلهـا مـسبـــوقا
فتلافيــته بعاليــة الـرم‍ـــح،              كــلانــا يــطــاول الــعـيـوقـا
أحمد الله ذا الجلالــــة والـقدرة               حمـــداً يزيـــــدني توفيـــــقا
لم أنل قتله ببادرة الـطعـ‍نــــة               مـنـي ولـم أنـــــل ثـفـــروقـا
قلت للشيخ لست أكـفـرك الدهــ‍ر              لـطـيـف الـغـــــذاء والـتفنيــقا
غير أني أخاف أن تـدخل النــار               فـلا تعـصـنـي وكـن لـي رفــيـقـا
وكذا قال لي ، فغرب تـغـريـ‍بـا              وشـرقـــــت راجـعـا تـشـريـــقا". وقعة صفين443-445.

(30) أنظر: نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين156.
(31) المصدر433.
(32) المصدر435.
(33) الثقفي، الغارات2/476-477.